الشرتاي سمير: مسؤولية القيادة حين تتحول القيادة إلى امتياز لا مسؤولية

2
samir

الشرتاي سمير

تعاني كثير من المؤسسات في أوقات الأزمات من تحديات تتجاوز نقص الموارد أو ضغوط العمل فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتراجع ثقافة القيادة وتحل محلها عقلية المنصب وعندما يصبح النفوذ الشخصي أكثر تأثيرا من الكفاءة والخبرة

القيادة ليست رتبة تعلق على الكتف ولا مكتبا يحمل اسما على الباب بل هي قدرة على الاستماع وسرعة في اتخاذ القرار واستعداد دائم لتحمل المسؤولية في أصعب الظروف وكلما ابتعد المسؤول عن هذه المبادئ بدأت المؤسسة تفقد توازنها من الداخل حتى وإن بدا ظاهرها مستقرا

ومن أكثر الظواهر التي تثير القلق أن يتحول التواصل بين المستويات الإدارية إلى طريق مغلق فتجد قيادات لا ترد على الاتصالات ولا تتفاعل مع البلاغات العاجلة ولا تدرك أن دقائق قليلة قد تصنع الفارق بين احتواء أزمة واتساعها وفي بيئات العمل الحساسة لا يعد غياب التواصل مجرد تقصير إداري بل قد يصبح سببا مباشرا في تعطيل الأداء وإرباك القرار

ولا يقتصر الخلل على القيادات التنفيذية أو الميدانية بل يمتد في أحيان كثيرة إلى الإدارات المدنية التي يفترض أن تكون العقل التنظيمي للمؤسسة فإذا بها تتحول إلى طبقة بيروقراطية تفصل المسؤول عن العاملين وتغلق أبوابها أمام أصحاب المبادرات وتتعامل مع المراجعين والكوادر بمنطق الانتقائية لا بمنطق الخدمة العامة

وتبرز هنا مشكلة أخرى أكثر خطورة وهي التعالي الإداري فبعض المسؤولين يخلطون بين الاحترام الواجب للمنصب وبين صناعة الحواجز النفسية مع الآخرين فيصبح الوصول إليهم أمرا بالغ الصعوبة وتتحول المكاتبات إلى أوراق مؤجلة والاجتماعات إلى وعود لا تنفذ بينما يشعر أصحاب الكفاءة بأنهم غير مرئيين مهما قدموا من إنجازات

وعندما يقترن هذا السلوك بالمحسوبية والمحاباة تتعرض المؤسسة لضربة أشد إذ تتراجع معايير الجدارة لتحل محلها العلاقات الشخصية وشبكات المصالح فيصبح القرب من مراكز النفوذ أسرع طريق إلى الترقي والتكليف بينما يجد أصحاب الخبرة أنفسهم خارج دائرة التأثير رغم امتلاكهم القدرة على الإضافة وصناعة الفارق

والنتيجة الطبيعية لهذا المناخ ليست فقط إحباط العاملين وإنما هجرة العقول وانطفاء روح المبادرة لأن الإنسان عندما يدرك أن اجتهاده لن يغير موقعه وأن العدالة لم تعد هي المعيار فإنه يكتفي بأداء الحد الأدنى من واجباته وتخسر المؤسسة أهم ما تملك وهو رأس مالها البشري

المؤسسات القوية لا تخشى النقد ولا تنزعج من الأصوات التي تدعو إلى الإصلاح بل تعتبرها نظام إنذار مبكر يكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر أما المؤسسات التي تحيط نفسها بجدران الصمت وتغلق أبوابها أمام المراجعة فإنها تمنح الأخطاء فرصة للتجذر حتى تصبح جزءا من ثقافتها

إن بناء مؤسسات ناجحة لا يبدأ بإصدار اللوائح ولا بتغيير المسميات بل يبدأ بقيادة تؤمن بأن المنصب تكليف لا تشريف وأن احترام الإنسان والإنصات إليه والاحتكام إلى الكفاءة والعدالة هي المبادئ التي تحفظ أي مؤسسة من التآكل مهما اشتدت عليها الأزمات.

What do you feel about this?