الشرتاي سمير: مسؤولية القيادة حين تتحول القيادة إلى امتياز لا مسؤولية
الشرتاي سمير
تعاني كثير من المؤسسات في أوقات الأزمات من تحديات تتجاوز نقص الموارد أو ضغوط العمل فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتراجع ثقافة القيادة وتحل محلها عقلية المنصب وعندما يصبح النفوذ الشخصي أكثر تأثيرا من الكفاءة والخبرة
القيادة ليست رتبة تعلق على الكتف ولا مكتبا يحمل اسما على الباب بل هي قدرة على الاستماع وسرعة في اتخاذ القرار واستعداد دائم لتحمل المسؤولية في أصعب الظروف وكلما ابتعد المسؤول عن هذه المبادئ بدأت المؤسسة تفقد توازنها من الداخل حتى وإن بدا ظاهرها مستقرا
ومن أكثر الظواهر التي تثير القلق أن يتحول التواصل بين المستويات الإدارية إلى طريق مغلق فتجد قيادات لا ترد على الاتصالات ولا تتفاعل مع البلاغات العاجلة ولا تدرك أن دقائق قليلة قد تصنع الفارق بين احتواء أزمة واتساعها وفي بيئات العمل الحساسة لا يعد غياب التواصل مجرد تقصير إداري بل قد يصبح سببا مباشرا في تعطيل الأداء وإرباك القرار
ولا يقتصر الخلل على القيادات التنفيذية أو الميدانية بل يمتد في أحيان كثيرة إلى الإدارات المدنية التي يفترض أن تكون العقل التنظيمي للمؤسسة فإذا بها تتحول إلى طبقة بيروقراطية تفصل المسؤول عن العاملين وتغلق أبوابها أمام أصحاب المبادرات وتتعامل مع المراجعين والكوادر بمنطق الانتقائية لا بمنطق الخدمة العامة
وتبرز هنا مشكلة أخرى أكثر خطورة وهي التعالي الإداري فبعض المسؤولين يخلطون بين الاحترام الواجب للمنصب وبين صناعة الحواجز النفسية مع الآخرين فيصبح الوصول إليهم أمرا بالغ الصعوبة وتتحول المكاتبات إلى أوراق مؤجلة والاجتماعات إلى وعود لا تنفذ بينما يشعر أصحاب الكفاءة بأنهم غير مرئيين مهما قدموا من إنجازات
وعندما يقترن هذا السلوك بالمحسوبية والمحاباة تتعرض المؤسسة لضربة أشد إذ تتراجع معايير الجدارة لتحل محلها العلاقات الشخصية وشبكات المصالح فيصبح القرب من مراكز النفوذ أسرع طريق إلى الترقي والتكليف بينما يجد أصحاب الخبرة أنفسهم خارج دائرة التأثير رغم امتلاكهم القدرة على الإضافة وصناعة الفارق
والنتيجة الطبيعية لهذا المناخ ليست فقط إحباط العاملين وإنما هجرة العقول وانطفاء روح المبادرة لأن الإنسان عندما يدرك أن اجتهاده لن يغير موقعه وأن العدالة لم تعد هي المعيار فإنه يكتفي بأداء الحد الأدنى من واجباته وتخسر المؤسسة أهم ما تملك وهو رأس مالها البشري
المؤسسات القوية لا تخشى النقد ولا تنزعج من الأصوات التي تدعو إلى الإصلاح بل تعتبرها نظام إنذار مبكر يكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر أما المؤسسات التي تحيط نفسها بجدران الصمت وتغلق أبوابها أمام المراجعة فإنها تمنح الأخطاء فرصة للتجذر حتى تصبح جزءا من ثقافتها
إن بناء مؤسسات ناجحة لا يبدأ بإصدار اللوائح ولا بتغيير المسميات بل يبدأ بقيادة تؤمن بأن المنصب تكليف لا تشريف وأن احترام الإنسان والإنصات إليه والاحتكام إلى الكفاءة والعدالة هي المبادئ التي تحفظ أي مؤسسة من التآكل مهما اشتدت عليها الأزمات.
