سعد الدين الماحي: قاد حملة لتنصيب قائد الجيش: مصطفى تمبور يفضل صلب البرهان على صُلب والده
سعد الدين الماحي
(لولا أنني خرجت من صلب والدي، لتمنيت أن أخرج من صلب البرهان)، قال (مصطفى تمبور) قائد إحدى (حركات تحرير السودان)، يبذل للبرهان أبوة سهلة المنال، ويرتجي منها (بنوة فاعلة)، يستند عليها في بحثه اللاهث عن المال والأمان، مؤكداً الطاعة المطلقة، والبقاء رهن إشارة قائد الجيش، مستجيراً بظله، ومُعلناً ذلك على الملأ، ودون حياء.
ومما هو جلي وواضح، فقد تجاهل تمبور حكمة السودانيين القديمة والمتوارثة، والتي قضت بأن في مقارنة والدك بغريب ظلم لوالدك، (لأنك ترى من الغريب أفضل ما فيه، بينما ترى من والدك كل ما فيه). ولم يلق ابن البرهان بالتبني بالاً لبشاعة أن يجحد عقوداً من رعاية وِالده وتضحياته، وسنوات عطائه الطويلة والصامتة، في انتظار أن يقبل البرهان عرض التبني المبذول. لكن تنشأ رغبة الإنسان في استبدال والده بشخص آخر – كما يقول علماء الاجتماع- من فجوات عاطفية وفكرية عميقة منها عقدة النقص، والبحث عن القبول، أو شعور أحدهم بأنه يستحق مكانة اجتماعية أعلى، أو نمط حياة أرقى،.وبطبيعة الحال لم يأت ما توصلوا إليه من فراغ.
وقد لا تكون عبارة تمبور – المعيبة – نابعة من فجوة عاطفية حقيقية لديه تجاه والده البيولوجي، بل هي مجرد إسقاط نفعي، ومبالغة في المدح وصلت لتمني البنوة المُعلن، بهدف كسب ثقة البرهان، وضمان مكانة لحركته في متاهة تحالفات بورتسودان الغامضة، مجهولة الدروب والمصائر. يرى تمبور في البرهان النجاة والحماية، ولذا يحاول تصوير التحالف السياسي معه كارتباط وجداني، وكنوع من (بر الوالدين)، هروباً من استحقاقات النقد السياسي، إذ لم ينس أحد تصريحات تمبور نفسه في العام (2019)، حين كان متحدثاً باسم فصيل (عبد الواحد محمد نور)، والتي وصف فيها البرهان بـ(مجرم الحرب).
لكن وفي كل الأحوال تمنحك عبارة تمبور فكرة معقولة عن حالة الاغتراب السياسي الذي يعيشه، وتعطش حركته للاعتراف، للحد الذي يجعله ينصب البرهان كأب احتماءً بأعلى سلطة في دولة أمراء الحرب البورتسودانية. يستخدم تمبور أجبن الحيل الدفاعية النفسية حين يقرر الذوبان في الطرف الأقوى والاندماج فيه شعورياً، ليس فقط كيما يعوض نقصه الذاتي، ويشعر بأنه جزء من هذه القوة، بل لأن حركته نفسها في حاجة موضوعية ليتم تبنيها بالكامل من الجيش كيما تحافظ على وجودها كمليشيا مصنوعة،.ولذا هو مُلزم بالتعبير عن التفاني المطلق، وعدم السماح بأي شكوك قد تساور قيادة الجيش تجاه نواياه.
ومجتمعياً جاءت ردة الأفعال على تصريحات تمبور مستنكرة لابتذاله رابطة الدم والنسب، ورافضة لتحقير الوالد من أجل تحقيق كسب سياسي مؤقت مع رجل سلطة. وتخوف البعض من أن صناعة ديكتاتور يغير الناس أنسابهم عاطفياً لأجله تجري الآن في السودان، بل لم يبق منها إلا أن يترسخ شعور القداسة والعصمة من الخطأ لدى البرهان، مع ضمان الحصانة من المحاسبة، ليعلن عن نفسه ديكتاتوراً جديداً في أفريقيا، بدعم من جماعة الإخوان المسلمين.
وقوبل تصريح تمبور بحالة من الاستهجان الشديد والسخرية العارمة لدى وسائط التواصل في السودان، وعاب الناس عليه تفضيل “صلب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على صلب والده، وعدوها إهانة بالغة لمفهوم البر بالوالدين، وإقحاماً مبتذلاً للأنساب في خصومات السياسة.
لكن الثابت أن التصريح لم يكن عفوياً، بل جاء في إطار حملة سياسية مشتركة يقودها تمبور والحركة الإسلامية ومليشيا البراء بن مالك، لتفويض البرهان رئيساً للبلاد في المرحلة المقبلة. وما لغة التبني العاطفي هذه إلا محاولة ساذجة لشرعنة استمرار الحكم العسكري الإخواني.و أظهرت تصريحات تمبور كذلك الوجه الحقيقي لقادة الحركات المسلحة الموالية للجيش كتابعين مسلوبي الإرادة، يبحثون عن الحماية تحت عباءة قائد الجيش، وانكشفت خديعة كونهم شركاء سياسيين متساوين في إدارة الدولة.
قدم تمبور للبرهان ولاءً وجدانياً يفوق ولاء أفراد الجيش أنفسهم، لكن استجدائه لتبنيه جعل من حملتهم لتنصيب قائد الجيش رئيساً مدعاة استهجان وسخرية، إذ نُصب تمبور بدلاً عن ذلك كساقط مُستخدم، وكأداة دعائية تفتقر إلى النضج، وكرجل مهزوم، برغبات طفولية، ونفس مشوهة تبحث عن المكاسب الصغيرة في عصر الانحطاط، تحرص على استمرار الحرب حرصاً على استمرار وجودها، وتحرص على بقاء الإخوان في السلطة خوفاً من المحاسبة.
