قائد الجيش وخطاب الضحية في زمن الحرب
تقرير – صحيح السودان
نشر موقع Diplomatic Post (ديبلوماتيك بوست)، وهي منصة إعلامية تهتم بالشؤون الدولية والدبلوماسية والسياسة الخارجية والأزمات والصراعات، مقالًا تحليليًا بعنوان As US Sanctions Loom, Al Burhan Returns to Victimhood and God ” أي (مع اقتراب العقوبات الأمريكية، يعود البرهان إلى خطاب الضحية و”الله”)، يتناول خطاب قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في مدينة المناقل بولاية الجزيرة، عقب صلاة الجمعة في 21 أغسطس الجاري، حين حذر من احتمال فرض عقوبات جديدة وتعهد بمواصلة الحرب ضد قوات الدعم السريع حتى القضاء على ما وصفه بـ “التمرد”.
والجدير بالذكر أن أهمية المقال تتجاوز نقل التصريحات، فالكاتب يحاول تفكيك الطريقة التي تُقدَّم بها الضغوط الدولية في الخطاب الرسمي، باعتبارها استهدافًا للسودان نفسه، بدل ربطها بسلوك السلطة وسياساتها ومسؤولياتها.
الفكرة الأساسية تدور حول أن خطاب قائد الجيش يعيد تعريف الضغوط الدولية باعتبارها اعتداءً على السودان نفسه، فيتحول النقاش من أسباب العقوبات والانتقادات إلى سردية «أعداء السودان» ومحاولات إخضاعه. قال قائد الجيش في خطابه، وفق ما أورده المقال: «معركتنا لم تنتهِ ولن تنتهي حتى يتم القضاء على التمرد في كل السودان». وعند حديثه عن احتمال العقوبات، قال: «لا نستبعد أن تُفرض عقوبات على السودان وعلينا في الأيام القادمة». وفي الصياغة باللغة العامية الأكثر تفصيلًا للخطاب، أضاف: «لكن الله أقوى منهم، وشعبنا أقوى منهم». ولا ريب أن ترتيب الرسالة مهم، فالعقوبات محتملة، والأعداء يريدون إخضاع السودان، ثم استدعاء الله والإرادة الشعبية، مع التأكيد على استمرار الحرب.
رواية استُهلكت لأكثر من ثلاثة عقود
هذه اللغة ليست جديدة في السياسة السودانية، فقد ظلت مفردات المؤامرة والأعداء والاستهداف الخارجي حاضرة في الخطاب السياسي لعقود طويلة. ومما لا شكَّ فيه أن الإيمان بالله جزء عميق من وجدان المجتمع السوداني، ولا خلاف على مكانة الدين في حياة السودانيين. لكن عندما يتحول الخطاب الديني إلى وسيلة لمنح القرار السياسي أو العسكري حصانة معنوية، أو إلى أداة لإعادة تقديم المساءلة باعتبارها استهدافًا للدين والوطن؛ فإن البرهان يرسخ خطابًا استُهلك لأكثر ثلاثة عقود، محوره المؤامرة، والأعداء، والاستهداف الخارجي، ثم الصمود، والنصر.
تغيَّرَت الأحداث والشخصيات، بينما ظلَّت البنية الأساسية لذلك الخطاب حاضرة. وبلا شك، ساعد هذا الخطاب على نقل اهتمام الجمهور بعيدًا عن نتائج السياسات الداخلية، وأصبح الولاء للوطن في كثير من الأحيان مرتبطًا بالولاء للسلطة. ويجد هذا الخطاب تأثيرًا أكبر في مجتمع أنهكته الحرب والفقر والنزوح والخوف، حيث تصبح العاطفة الدينية والوطنية أدوات شديدة التأثير.
المساعدات الدولية ومفارقة “الأعداء”
في مايو 2023، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن 245 مليون دولار من المساعدات الإنسانية الإضافية للسودان والدول المجاورة، منها نحو 143 مليون دولار من مكتب السكان واللاجئين والهجرة، و103 ملايين دولار من مكتب المساعدات الإنسانية التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. كما أعلنت الولايات المتحدة في مارس 2024 عن مساعدات إنسانية إضافية، ليرتفع إجمالي المساعدات الإنسانية الأمريكية المقدمة للسودانيين وللدول المجاورة منذ السنة المالية 2023 إلى أكثر من 968 مليون دولار، وشملت الغذاء والمياه والصرف الصحي والمأوى والخدمات الطبية والحماية. وعلى الجانب الأوروبي، تُظهر بيانات خدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA Financial Tracking Service) أن مساهمة المفوضية الأوروبية في الاستجابة الإنسانية للسودان خلال عام 2025 بلغت نحو 204.3 مليون دولار وفق البيانات المسجلة في الخدمة. أما في العام الحالي 2026، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء خصصوا أكثر من 812 مليون يورو استجابةً للأزمة السودانية والإقليمية، منها 522 مليون يورو مساعدات إنسانية جديدة، إضافة إلى 260 مليون يورو سبق تخصيصها. كما توضح المفوضية أن هذه المساعدات تستهدف الفئات الأكثر احتياجًا والمتضررين من الأزمة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأموال موجهة أساسًا إلى المدنيين المتضررين من الحرب، وتشمل الغذاء والصحة والمياه والصرف الصحي والمأوى والحماية والاستجابة للطوارئ. وتؤكد بيانات الأمم المتحدة الخاصة بتتبع التمويل الإنساني حجم التدفقات المالية الدولية الموجهة إلى الاستجابة للأزمة السودانية. ولا ريب أن لكل دولة مصالحها وحساباتها السياسية في السودان، لكن ذلك لا يلغي حقيقة الدعم الإنساني الموثق الذي يتلقاه الشعب السوداني. لذا فإن المفارقة في الخطاب ووصفه «الأعداء» يتناقض واقعيًا مع البيانات الموثقة، فالدول والمؤسسات الدولية التي تُتهم باستهداف السودان تقدم في الوقت نفسه مئات الملايين من الدولارات واليورو لمساعدة المدنيين السودانيين على البقاء على قيد الحياة. وهذه ليست رواية سياسية أو تقديرًا صحفيًا، وإنما أرقام منشورة في السجلات الرسمية للحكومات المانحة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. لذلك فإن وصف الخارج بصورة عامة بأنه «عدو للسودان» يتجاهل فارقًا أساسيًا بين موقف دولة من السلطة وبين مساعدتها للمواطنين السودانيين.
الذهب السوداني ممولاً للحرب
إذا كان الخطاب الرسمي يحذر من أطماع الخارج في موارد السودان، فإن الذهب يمثل الاختبار الأوضح لهذه الرواية. فالذهب يشكل حاليًا أحد أهم مصادر العملة الصعبة في السودان، وتحول في الوقت نفسه إلى عنصر أساسي في اقتصاد الحرب. وكانت وزارة المعادن قد أعلنت أن إنتاج الذهب في 2025 بلغ نحو 70 طنًا، بينما تشير بيانات رسمية لاحقة إلى صادرات بلغت نحو 14.7 طنًا بقيمة تقارب 1.536 مليار دولار. وتكشف الفجوة الكبيرة بين الإنتاج المعلن والصادرات الرسمية عن تحديات كبيرة في الرقابة على قطاع الذهب، مع وجود إنتاج في مناطق لا تخضع بالكامل لسيطرة الدولة، وشبكات تجارة غير رسمية. لذلك فإن الحديث عن أطماع الخارج في الذهب يظل ناقصًا دون النظر إلى كيفية إدارة الذهب داخل السودان، وكيفية تصديره، ومن يسيطر على عائداته، وما إذا كانت هذه العائدات تدخل الاقتصاد الرسمي أم تتحول إلى مورد لتمويل الحرب.
وعندما يتحدث قائد الجيش علانية عن قوى خارجية تريد إخضاع السودان والاستيلاء على موارده، فإن مسألة إدارة الموارد تصبح جزءًا مباشرًا من تقييم هذا الخطاب. ووفق بيانات أوردتها Chatham House (تشاتام هاوس)، شكلت دول الخليج نحو 97% من صادرات الذهب الرسمية من المناطق الخاضعة للقوات المسلحة السودانية في 2024، بقيمة تقارب 1.52 مليار دولار. هذه الأرقام توضح حجم الارتباط بين الذهب السوداني والأسواق الخارجية، وتكشف في الوقت نفسه عن حجم الأموال المتداولة في هذا القطاع. وبلا شك، فإن حماية الثروة الوطنية تبدأ من داخل الدولة، حيث ينبغي عليها أن تفرض الرقابة الفعالة، والشفافية في الإنتاج والتصدير، وضبط الأسواق، ومعرفة أين تذهب العائدات. أما الحديث عن «أعداء يريدون الذهب» فقد يصبح أكثر إقناعًا عندما تثبت السلطة أنها أحكمت السيطرة على موارده، وحالت دون تهريبها، وضمنت وصول عائداتها إلى الاقتصاد الوطني.
مفهوم النصر بين الجنرال والمواطن
في الخطاب العسكري، يمثل التقدم الميداني والسيطرة على الأرض والقواعد وخطوط الإمداد مؤشرات أساسية على النجاح. أما لدى المواطن السوداني، فإن معيار النجاح أكثر ارتباطًا بحياته اليومية، حيث المدرسة تعمل، والمستشفى يتوفر فيه العلاج والدواء، والكهرباء والمياه، والطريق الآمن، وعودة النازحين إلى منازلهم. لذا فإن هذا الاختلاف في تعريف النصر يمثل جانبًا أساسيًا من المأساة السودانية. فالانتصار العسكري لا يعالج وحده جذور الأزمة السياسية والاقتصادية التي قادت إلى الحرب. والتاريخ السوداني الحديث يقدم شواهد عديدة على أن الحسم العسكري لا ينتج بالضرورة سلامًا مستدامًا أو نظامًا سياسيًا مستقرًا. وعلى مدى عقود، عاش السودان دورات متكررة من الحرب والانقلابات والتسويات المؤقتة. والحرب الحالية تقدم الدليل الأكثر قسوة على كلفة الاعتماد المتكرر على القوة العسكرية. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، أصبحت التكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية هائلة، بينما لا تزال جذور الأزمة السياسية قائمة. ولا ريب أن هذه التجربة تفرض مراجعة جادة لفكرة أن استمرار الحرب يمكن أن يكون طريقًا مستدامًا لبناء الدولة. إذا كان الهدف هو إنقاذ السودان، فإن حماية حياة المواطنين وإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد يجب أن تكون في قلب تعريف النصر الوطني.
من هم الأعداء؟
وبالعودة إلى مقال Diplomatic Post (ديبلوماتيك بوست) فإن أهميته تكمن في أنه يلفت الانتباه إلى قضية تتجاوز خطاب قائد الجيش الأخير حول كيفية استخدام مفردات الوطن والدين والأعداء لتفسير الأزمات السياسية. إن الانتماء والوطنية لا تعني تأييد السلطة، والإيمان بالله لا يجعل كل قرار سياسي أو عسكري صحيحًا، ورفض التدخل الخارجي لا يلغي ضرورة المساءلة الداخلية. إذا كانت العقوبات ظالمة، فإن الرد الأقوى يكون بالأدلة والتحقيقات والشفافية. وإذا كانت الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات أو الأسلحة الكيميائية غير صحيحة، فإن أفضل وسيلة لنفيها هي التحقيق المستقل والتعاون مع الآليات الدولية المختصة. وإذا كانت ثروات السودان، وعلى رأسها الذهب، مستهدفة من الخارج، فإن حماية هذه الثروة تبدأ بالشفافية في إنتاجها وتصديرها وإيراداتها، ومنع التهريب، وإخضاع عائداتها للرقابة المؤسسية. ومما لا شك فيه أن هذه الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما نضع في الاعتبار أن الثروة السودانية نفسها تُستنزف داخل اقتصاد حرب يساهم في إطالة الصراع. فالسلطة التي تحذر الشعب من أطماع الخارج في موارده مطالبة بتقديم إجابات واضحة حول كيفية إدارة هذه الموارد، وحمايتها من التهريب، ومنع استخدامها في تمويل الحرب، وما يعود منها إلى المواطن في صورة خدمات وأمن وتنمية. وفي المقابل، توضح البيانات الدولية أن دولًا يجري وصفها سياسيًا بأنها «أعداء» للسودان تقدم مساعدات إنسانية كبيرة للسودانيين، تشمل الغذاء والدواء والإيواء والحماية. إن هذا لا يعفي القوى الخارجية من مسؤولية سياساتها ومصالحها في السودان، ولا ينفي وجود أطراف خارجية تتدخل في الحرب أو تستفيد من اقتصادها. لكنه يجعل المسؤولية الداخلية جزءًا أساسيًا من أي قراءة جادة للأزمة. بعد أكثر من ثلاثين عامًا من خطاب المؤامرة والاستهداف الخارجي، وبعد سنوات من الحرب الحالية، يحتاج السودان إلى خطاب سياسي يضع حياة المواطن وموارد الدولة ومؤسساتها في مركز الاهتمام.
