حذيفة أبونوبة: حرب 15 أبريل يمكنها أن تكون آخر الحروب إذا ما توفرت (….).

201
دكتور حذيفة أبونوبة

“لم يكن السودان الدولة الوحيدة التي وطأها المستعمِر الأجنبي، ولكنها الوحيدة التي لم تستطيع الخروج من تلك التجربة، ولم تتعلم منها”

خلال حديث له عن ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة، قال الدكتور “حذيفة أبونوبة” بانتهاء يوم التاسع عشر من ديسمبر، الذي شهد ميلاد ثورة ديسمبر المجيدة، نكون قد طوينا 69 عاماً منذ خروج المستعمِر الإنجليزي-المصري من السودان، بعد أن أمضى أكثر من نصف قرن محتلاً للأرض، حاكماً لشعوبها، وممارساً أقسى أشكال القمع والإخضاع. وأضاف “ابونوبة” بالطبع، لم يكن السودان الدولة الوحيدة التي وطأها المستعمِر الأجنبي وعاث فيها فساداً وقتلاً وخراباً، لكنه ربما كان الوحيد الذي لم يخرج من تلك التجربة قط، ولم يتعلم منها. بل على العكس غرق أكثر فأكثر في مستنقع أزماته الداخلية، حيث تفجرت الصراعات السودانية-السودانية العنيفة، حتى قبل أن يغادر المحتل تراب الوطن.

وأشار “ابونوبة” الى ان الصراعات السياسية والاجتماعية تأججت بفعل ذهنية الهيمنة والانفراد بالقرار السياسي، والشعور المتعاظم بالاستحقاق، لدى النخب المحلية، تلك التي ورثت امتيازات الحكم عن المستعمِر الغازي.

وتابع “ابونوبة” افتقرت النخبة السياسية السودانية قيادة جهاز الدولة في أعقاب الاستقلال، إلى رؤية جامعة لمشروع وطني شامل، يعكس تنوع السودان العرقي والجغرافي، ويؤسس لإدارة موضوعية وعادلة للخلاف، وتوزيع منصف للسلطة والثروة، مضيفا؛ لم يتوفر الحد الأدنى من الإرادة السياسية لصياغة عقد اجتماعي يُمكِّن السودانيين من تجاوز أزماتهم البنيوية.

واكد “حذيفة” ان النخبة السودانية فشلت في بناء مشروع وطني جامع، وأهملت قضايا التنوع والعدالة، واعتمدت نهجاً عقيمًا في إدارة الصراعات، حيث أبرمت أكثر من 46 اتفاقية سلام مع التجمعات والحركات المطلبية التي حملت السلاح في أطراف البلاد منذ الاستقلال، هذه الاتفاقات لم تحقق عدالة ولم تجلب سلام، لأنها لم تعالج جذور الأزمات وافتقرت للإرادة السياسية، وتمسَّكت بعقلية الوصاية والإقصاء، مما عمّق أزمة الهوية الوطنية وأجّج التوترات، حيث لجأت المجموعات المهمشة إلى التمرد والثورة بحثاً عن العدالة، وكرّست النخب لإنتاج المزيد من الحروب والتهميش وزيادة حدة العنف مما ادى إلى إهدار لحظات مفصلية وحاسمة في تاريخ السودان، وتسببت في انفصال جنوب السودان في 2011، مشيرا؛ الى ان هذا الفشل الممنهج لم يكتفِ بتفكيك البلاد فحسب، بل وضعها في دوامة من الحروب والصراعات دون حلول حقيقية.

واكد “حذيفة” إن غياب المشروع الوطني؛ غياب متعمد من قبل النخب، وانعدام الإرادة في الإجابة على الأسئلة الكبرى التي واجهت السودانيين منذ الاستقلال، مثل ” كيف يُحكم السودان؟، ما هي هوية الدولة السودانية؟، كيف يُدار التنوّع الثقافي والإثني، ماهو نظام الحكم الأمثل للسودان؟، كيف تُوزّع السلطة والموارد بعدالة؟، كيفية صناعة دستور دائم وآليات حمايته؟ ..الخ.

وأضاف “حذيفة” ان هذه التساؤلات والقضايا مجتمعة، لم تُطرح للنقاش بجدية على مدار العقود الماضية، من أجل الوصول إلى مشتركات أو توافقات حولها، بل جرى تجاهلها لصالح تكريس امتيازات فئة بعينها، مما ولّد شعوراً عميقاً بالغبن لدى غالبية سكان الريف السوداني، الذين عانوا من الاستبعاد والتغريب. فمنذ تمرد توريت عام 1955 وحتى اليوم، ظلّت الأطراف السودانية بؤراً للصراع المسلح، الذي بدأ في جنوب السودان، وامتد إلى جنوب كردفان، والنيل الأزرق، ودارفور، ليصل أخيراً إلى مركز السلطة في الخرطوم.

وتابع “حذيفة” إن حرب 15 ابريل، لم تكن حدثاً معزولاً عن السياق التاريخي للصراع في السودان، بل تمثل تجلياً صارخاً لأعقد وأعمق مظاهر هذا الصراع، وهي تعكس الصدام التاريخي بين القوى التقليدية المسيطرة، التي سعت لعقود إلى تكريس هيمنتها عبر الجيش وبقية مؤسسات الدولة، وبين قوى جديدة تشكلت من خارج دوائر نادي النخبة الحاكمة تاريخياً.

واكد “حذيفة” إن حرب 15 أبريل يمكنها أن تكون آخر الحروب إذا ما توفرت الارادة اللازمة لمعالجة مسبباتها، واستخلاص الدروس منها، لتأسيس دولة جديدة تقوم على العدالة والمساواة واحترام التنوع، مضيفا؛ إن استمرار السودان كدولة موحدة ومزدهرة يعتمد على الجرأة في مواجهة أزماته المتجذرة لعقود طويلة، وهذا يتطلب إرادة سياسية وشعبية للتدبر في مآسي الماضي والحاضر التي حوَّلت السودانيون إلى قتلى ومفقودين ولاجئين ونازحين، وتحويلها إلى فرصة لبناء مشروع وطني جديد ينهض على العدالة في توزيع السلطة والموارد الاقتصادية، ويجرم العنصرية والانقلابات العسكرية، ويعزز التحول المدني الديمقراطي، و صنع دستور دائم للبلاد.

 

 

 

 

 

 

 

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *