مهدي عبدالله حامد: قراءة حول تجربة “الإدارة المدنية” كـ وسيلة للتغيير الجذري وبوابة المستقبل تجاه هيكلة السُّودان فدراليًا

43
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد

في مأثور المثل الشعبي  يُقال “دنيا دبنقا دردقي بشيش” وهي دعوة للتأني والحكمة في إدارة شؤون الحياة وتطوير التحولات وتجويد التمرحل، واليوم وفي ظل أدق وأهم مرحلة تمر بالبلاد لم تكن فكرة انشاء الإدارة المدنية ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية وايضا يُقال “حصين كم ما فيهم دواقير ما بيقلوبو” (أي أن الخيل بلا لجام تتمرد) وعليه فإنَّ هذه الإدارة كانت هي “الدواقير” أي اللجام القانوني والإداري

لإحداث هذه التغييرات الضرورية والجذرية، وفي ذات الوقت هي البداية الحقيقية والجادة لتفكيك مفاصل دولة النظام المركزية إلي “نظام الدولة الوطنية ” حيثُ جاءت “الإدارات المدنية” في مناطق تحالف السودان التأسيسي كضرورة استراتيجية وقانونية لسد الفراغ المؤسسي، ضمن خطوة ليست مجرد إجراء طارئ لتدبير شؤون محدودة، بل هي تأسيس دستوري يهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وكما يقول المثل السوداني “العود المسوس ما بنبني عليه بيت” وعليه قامت هذه الإدارات لتقتلع سوس المركزية القابضة وتبني الوطن على أساس متين وثابت.

قانونيًا  تستمد هذه الإدارات شرعيتها من مبدأ “استمرارية المرافق العامة” وحق الشعوب في الإدارة الذاتية حينما تعجز السلطة المركزية أو تفقد أهليتها وشرعيتها وعدم وجودها الفعلي على أرض الواقع وهو الأمر الذي حدث بموجب حرب الخامس عشر من أبريل وفرض واقع جديد، وبكل الأحوال تعتبر هذه الخطوة هي البداية الفعلية لهزيمة دولة 1956م -دولة الامتياز التاريخي- ليس بالسلاح فقط، بل عبر تقديم نموذج حكم بديل يتسم بالفاعلية والشمول، ليؤكد أن العبرة ليست في “من يحكم السُّودان” ولكن في “كيف يُحكم” السُّودان بأسس جديدة تحقق العدالة والمساواة للجميع دون تمييز.

وكما لم يكن طريق الإدارة المدنية مفروش بالورود، بل كان محفوف بألغام سياسية وأمنية جراء النزوح الداخلي وتدفق السيول البشرية من مناطق جيش النظام البائد المستعرة صوب مناطق سيطرة تحالف تأسيس الآمنة والمستقرة ، ولكن للأمانة شكلت موجات النزوح ضغوطات وتحديات تفوق الإمكانيات المتاحة، على إثرها واجهت الإدارة مؤسسات منهوبة ومرافق مدمرة تعمد النظام البائد تعطيلها قبل رحيله، وقد كان  (التحدي الأكبر) هو وجود عناصر من النظام البائد والحركة الإسلامية داخل أجهزة الإدارة المدنية نفسها، مما شكل إعاقة للتحول وعرقلة للعمل، في ظل وجود صعوبة أخرى تتمثل في عدم توفير الموارد المالية وتوقف الجبايات المركزية وانهيار النظام المصرفي.

ولكن ورغم التحديات هذه فقد حققت هذه الإدارات اختراقات تاريخية تقف في مقدمتها تحرير المؤسسات واستعادة قرار الولايات من قبضة المركزية الأمنية التي كانت تسيطر على الأوضاع، ولكنها نجحت في تشغيل المستشفيات بحدود المتاح من إمكانيات، وتنظيم الأسواق، وتأمين المسارات الإنسانية بالتعاون مع الجهات ذات الصلة، وبدت فعليًا في تطبيق مبدأ الحكم المحلي وتطويره تدريجيًا، مما خلق شعورًا بالملكية المجتمعية للسلطة، سيما في تفعيل لجان الصلح والإدارة الأهلية لفض النزاعات … الخ.

ولكن ما يُعاب على تجربتها الحالية هو الاستعانة ببعض كوادر “العهد البائد” وهنا يتوجب أن تعي “حكومة السلام” أن الاستمرار بهذا النهج يهدد الثورة في مقتل، لان الإنحياز للتغيير والولاء للثورة لا يسمح بوجود أي فرد يتبع للتنظيم الإرهابي في مفاصل الدولة تحت أي مبرر اجتماعي كان أو جهوي، فلا بد من ضرورة إجراء “كنس وتنظيف” شامل للجهاز الإداري، واستبدال الكوادر الحزبية القديمة بكفاءات وطنية مؤمنة بمبادئ التأسيس، لضمان عدم ارتهان قرار السلطة لأجندة النظام الهالك.

وبكل المقاييس تُعد “الإدارة المدنية” في ظل ظروف تعقيدات الوضع الراهن، ليست مجرد تدبير طارئ لسد الفراغ الإداري، بل هي مختبر سياسي لمشروع التغيير الجذري والانتقال الموضوعي من “المركزية القابضة” إلى “الإدارة والإرادة الذاتية” الأمر الذي يمثل حجر الزاوية في تفكيك بنية الدولة القديمة، وتحويل المجتمعات المحلية من “متلقٍ للأوامر” إلى “صانع للسياسات” والإدارة المدنية هي تمرين دستوري وتمرحل حقيقي تجاه نظام الولايات المنشود، وتمهيد واقعي لنظام الأقاليم الذي يمثل التدرج الطبيعي لبناء “الفيدرالية الحقيقية” وبهذه الخطوات تهزم دولة 1956م أخلاقيًا عبر استعادة كرامة المواطن في أطراف السودان، مثلما تم هزيمتها سياسيًا عبر كسر احتكار السلطة في الخرطوم وعسكريا في الميدان، فهذه هي الركائز المتينة لدولة المؤسسات الدستورية التي لا تنهار برحيل الأشخاص، بل تحميها القوانين وإرادة الشعوب السُّودانية ككل.

وكما إنَّ نجاح الإدارات المدنية في إدارة مناطقها رغم الإخفاقات والأخطاء لهو أمر يمثل “بروفة” وطنية شاملة لهيكلة السودان مستقبلاً، فاتحًا المجال أمام حكومة التأسيس، التي يجب أن تنظر لهذه الإدارات كـ أعمدة بناء، حيث يتم تجميع هذه التجارب المحلية لتكوين “الاتحاد الفيدرالي السوداني”، الذي يضمن عدم عودة الدكتاتورية أو المركزية المفرطة مرة أخرى

ومن هنا، وجب علينا أن نزجي أسمى آيات الشكر والتقدير، والثناء المستحق، إلى رؤساء الإدارات المدنية؛ أولئك القادة الذين قبلوا التحدي في أحلك الظروف، وتحملوا المشاق الجسيمة، وواجهوا المخاطر الأمنية والسيَّاسيَّة بصدور عارية بموجب الإيمان العميق بقضية شعبهم العادلة والمصيرية، لقد قدموا نموذجًا في “نكران الذات” وقبلوا بالعمل في بيئة معقدة ليضعوا اللبنات الأولى لدولة المؤسسات، مانعين انهيار المجتمع وموفرين الحد الأدنى من شروط الحياة والكرامة وبذلك يستحقون الوجود في العهد الجديد بجدارة واستحقاق

What do you feel about this?