فاطمة لقاوة: رصاصة السياسة!!

60
فاطمة لقاوة

فاطمة لقاوة

في لحظةٍ يتكشّف فيها وجه الصراع بلا أقنعة، لم يعد خطاب الكوز حاج ماجد سوار مجرد رأيٍ سياسي، بل صار بيانًا صريحًا لعقيدةٍ لا تزال ترى في الحرب وسيلتها الوحيدة للعودة إلى السلطة.

دعوته لإطلاق “القوة المميتة” ليست زلة لسان، بل انعكاسٌ حيّ لمنهجٍ تأسس على العنف، وتغذّى على الإقصاء، واعتاد أن يحكم عبر فوهة البندقية لا عبر صناديق الإرادة.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن تاريخٍ طويلٍ من توظيف الدين لتبرير القتل، ومن تحويل الدولة إلى أداة تمكين، ومن تقسيم المجتمع إلى معسكرات ولاء وخيانة،الجديد فقط أن اللغة تبدّلت؛ فبدل “المشروع الحضاري”، صاروا يتحدثون باسم “الجيش”، وبدل الشعارات الأيديولوجية الصريحة،لجأوا إلى قبلنة المشهد للإنتقام ممن سموهم حواضن.

الكيزان و عصابتهم في بورتسودان يختبئون خلف مفردات “الحسم” و“الكرامة”، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجميلها: أنهم ما زالوا  يديرون حربهم ذات العقلية، ذات الأدوات، وذات الإستعداد لإحراق البلاد من أجل البقاء.

إنهم دواعش بربطات عنق أنيقه لا لأنهم يشبهون غيرهم في الشكل، بل لأنهم يتطابقون معهم في جوهر الحقد الذي يضمرونه ضد المجتمعات و تبرير القتل لتحقيق غاية سياسية، ورفض أي أفق مدني، والإيمان بأن الوطن يُدار بالقوة لا بالتوافق.

توقيت تصريحات الكوز حاج ماجد سوار – الذي وُلد في قرية البرادب في جنوب كردفان – ليس عشوائيًا، إنها صرخة خوف بقدر ما هو دعوة حرب، خوفٌ من تغيّر موازين القوى، من تسوية سياسية قد تُقصيهم، ومن واقعٍ جديد لا مكان لهم فيه، لذلك يسعون إلى فرض نهايتهم بالقوة قبل أن تفرضها السياسة،يريدون حسمًا سريعًا، لا لإنقاذ السودان، بل لإنقاذ أنفسهم.

في هذا السياق تبدو خيارات عبد الفتاح البرهان أكثر من مجرد ترتيبات عسكرية،فعندما يقترب من شخصياتٍ مشبعة بخطاب التشدد-“ياسر العطا مثالا”-فإنه لا يختار فقط أدوات الحرب، بل يظل مرة أخرى أقرب من نفس التحالف الذي دمّر الدولة و أشعل حرب ١٥أبريل العبثية .

المفارقة القاسية أن من يقدّم نفسه حاميًا للدولة، يعيد إنتاج شروط إنهيارها،و يقوم بتدمير بنيتها التحتية و قتل مواطنيها بالبراميل الحارقة و المسيرات دون أن يرجف له جفن لأنه لا يعرف للرحمة و الإنسانية سبيل بل لا يمتلك ذرة نخوة سودانية أصيلة.

الخطر الحقيقي لا يكمن في حاج ماجد سوار وحده، بل في البيئة التي تسمح لهذة الأصوت أن ترتفع بلا مساءلة فعندما يصبح العنف خطابًا عاديًا، والقتل خيارًا مطروحًا، نكون قد تجاوزنا السياسة إلى الهاوية،و في الوقت الذي تعود فيه ذات الوجوه الكالحة التي تلاعبت بنسيجنا الإجتماعي عبر بوابة الحرب، فذلك يعني أن الدرس لم يُفهم، وأن الدم لم يكن كافيًا لتوعية القوى السياسية السودانية المتشرزمة التي تتنافس في الأوهام و لم تحس بمعاناة الشعب.

السودان اليوم يقف أمام مفترقٍ لا يحتمل المواقف الرمادية للقوى السياسية التي تدعي مناهضة الحرب:إما السعي نحو دولة تُبنى على الإرادة الحقيقية بعد إقتلاع الكيزان و دولتهم العميقة، أو ترك سلطة الأمر الواقع في بورتسودان وكيزانها تفرض نفسها بالرصاص و قوتها المُميتة كما تسوق لذلك الآن .

وما بين الإثنين، هناك شعبٌ أنهكته الحروب، ولم يعد بحاجةٍ إلى “قوة مميتة” بقدر حاجته إلى شجاعة تُميت هذا الفكر إلى الأبد.

ولنا عودة بإذن الله

What do you feel about this?