دكتور التوم حاج الصافي: معركة الكرامة .. أم معركة الندامة؟
دكتور التوم حاج الصافي
من السهل إطلاق الشعارات، ومن السهل أكثر أن تُزيَّن الحروب بكلماتٍ كبيرة تُخاطب العاطفة وتُخدّر الوعي. لكن ما يحدث في السودان اليوم يفرض سؤالًا قاسيًا لا يحتمل التجميل: أين هي الكرامة في وطنٍ يُحرق، وشعبٍ يُشرّد، ومدنٍ تتحول إلى أطلال؟
تحت لافتة “معركة الكرامة”، تم تسويق حربٍ لا تشبه الكرامة في شيء. كرامة من تُستعاد؟ كرامة من فقد بيته؟ أم من فقد أبناءه؟ أم من أصبح لاجئًا في أرضٍ لم يكن يتخيّل يومًا أنه سيُجبر على الفرار إليها؟
الحقيقة التي يحاول البعض دفنها تحت ركام الشعارات هي أن هذه الحرب لم تُبْنَ على إرادة شعب، بل على إرادة سلطة، وعلى خطابٍ يخلط الدين بالسياسة ليمنح قراراته حصانة أخلاقية زائفة. فعندما تُرفع رايات الدين في ساحة صراعٍ سياسي، يصبح كل اعتراض خيانة، وكل تساؤل ضعفًا، وكل دعوةٍ للسلام تهمة.
وهنا تكمن الكارثة.
لأن تحويل الحرب إلى “قضية مقدسة” لا يرفعها، بل يُعقّدها ويُطيل أمدها. يجعل الدم أرخص، ويجعل التراجع مستحيلًا، ويحوّل الوطن إلى ساحة اختبارٍ لشعاراتٍ لا تطعم جائعًا ولا تؤوي مشرّدًا.
والأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لا يكتفي بتبرير الحرب، بل ينفصل تمامًا عن معاناة الناس.
فبالأمس القريب، خرج مواطنون أنهكتهم الظروف يطالبون بأبسط حقوقهم: الكهرباء. لم يطلبوا رفاهية، ولا شعارات، بل خدمة تحفظ لهم ما تبقى من حياة كريمة. لكن الرد الذي واجهوه لم يكن حلولًا ولا اعترافًا بالأزمة، بل حديثًا بعيدًا عن واقعهم، عن “انتصارات” خارج حدود معاناتهم.
وهنا يظهر جوهر الأزمة:
حين يصبح الخطاب مشغولًا بتسويق انتصاراتٍ لا يلمسها الناس، بينما تتآكل حياتهم اليومية، فإن الفجوة بين السلطة والمجتمع تتحول إلى قطيعة كاملة.
ليست المشكلة في حدثٍ بعينه، بل في عقليةٍ ترى أن بقاءها هو الأولوية، حتى لو كان الثمن هو إنهاك المجتمع. عقلية تقلب المعادلة: يصبح صبر الناس وقودًا، ومعاناتهم تفصيلًا، وحياتهم مجرد هامش.
الكرامة الحقيقية لا تحتاج إلى دبابات لتُثبت وجودها، ولا إلى خطابات نارية لتُقنع الناس بها. الكرامة تُرى في حياةٍ مستقرة، في دولة تحمي مواطنيها، في عدالة لا تفرّق، وفي مستقبل لا يُبنى على جماجم الأبرياء.
أما ما يُطرح اليوم، فهو محاولة لإعادة تعريف الكرامة بما يخدم استمرار الصراع، لا إنهاءه. محاولة لجعل الألم بطولة، والخسارة نصرًا، والانهيار صمودًا.
لكن الشعوب، مهما طال صبرها، لا تُخدع إلى الأبد.
سيأتي وقت تُسقط فيه كل هذه الأقنعة، ويُطرح السؤال بصراحة لا لبس فيها: من الذي دفع الثمن؟ ومن الذي استفاد؟ ولماذا كان كل هذا الخراب؟
عندها فقط، سيتضح أن ما سُمّي “معركة كرامة” لم يكن سوى فصلٍ جديدٍ من فصول الندامة… ندامة وطنٍ كان يستحق حياةً أفضل، فدُفع إلى حربٍ لا تشبهه.
أما الحقيقة التي لن يستطيع أي خطاب إخفاءها طويلًا، فهي أن الأوطان لا تُحفظ بالشعارات، ولا تُبنى بالوهم؛ ومن يطلب من شعبٍ أن يدفع ثمن بقائه، إنما يكتب بيده نهاية شرعيته قبل أي شيء آخر.
