مليح يعقوب:  15 أبريل .. دلالة تآكل المركز ومخاض ميلاد السودان الجديد

10
Yacob

مليح يعقوب

​تطل علينا الذكرى الثالثة لأحداث الخامس عشر من أبريل؛ تلك الذكرى التي تأتي في كل عام لتجدد فينا الأحزان، وتضعنا في الوقت ذاته أمام مسؤولية استرداد الوعي من وسط غبار المعارك. ففي مثل هذا اليوم، وفي محاولة يائسة لتعطيل حركة التاريخ، أُجهضت أحلام الشعب السوداني في التحول الديمقراطي، واشتعل فتيل حربٍ مفصلية استهدفت هيكل الدولة في صميمه؛ حيث سعى تحالف الجيش مع تنظيم الإخوان “الإرهابي” إلى تحويل مسار ديسمبر نحو “ردة” شاملة أنهكت البلاد والعباد، وتسببت في تآكل “دولة المركز” لصالح مشروع السودان الجديد.

​يوم الغدر: دماءٌ على رصيف “التفويج”

​قبل أن يرتفع غبار المعارك في الخرطوم، كانت ملامح “الغدر” تُرسَم في الخفاء من قِبل تحالف (الجيش والإخوان)، بعيداً عن أخلاق العسكرية وقيم الفروسية. ففي صبيحة ذلك اليوم، وبينما كان حوالي 6000 جندي من قوات الدعم السريع يتأهبون لمهمة خارجية روتينية، جرى استهدافهم في واحدة من أبشع صور الغدر الميداني. هؤلاء الجنود، الذين كانوا “عُزلاً” من السلاح الخفيف والثقيل ومنتظمين في إجراءات “التفويج” الرسمية، باغتهم الطيران الحربي وهم نيامٌ، في حالة تجردت من أي منطق للمواجهة الشريفة.

​إن إبادة هذه القوة تمثل ذروة الغدر والخيانة، وإعلاناً دموياً بأن “تيار الردة” قد حسم أمره بقطع طريق العودة نحو الاستقرار. لقد سُفكت دماء هؤلاء الشباب لتكون قرابين لشهوة السلطة التي استوطنت مخيلة قادة النظام البائد. كان هذا الغدر هو “نقطة الانكسار” التي قصمت ظهر الدولة، وحولت المؤسسة العسكرية من حامٍ للاتفاق الإطاري إلى آلة لشن حرب استئصال شاملة لا تستثني أحداً.

​من “دولة المؤسسات” إلى “دولة العصابة”

​لقد كانت أحداث 15 أبريل اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة عما تبقى من “دولة المركز”، لتتكشف عن بنية مشوهة يمكن وصفها بـ “دولة العصابة”. أظهر تعنت قيادة الجيش وإصرارها على رفض فك الارتباط بالحركة الإسلامية أن القرار السيادي بات رهينة لمصالح أيديولوجية مشتركة، تهدف بالأساس إلى تقويض الديمقراطية واغتيال مشروع التغيير الوطني. هذا التماهي العضوي حوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية امتيازات النخبة القديمة، مما أفقد الدولة صفتها الوطنية وحولها إلى مظلة لكيان يقتات على الحروب ويستثمر في الدمار لضمان بقائه الأيديولوجي والسلطوي.

​أزمة النخبة ومغالطات المركز: منطق “الموزة المقشرة”

​تتعامل القوى السياسيّة المركزية مع هذه الذكرى وفق أيديولوجيتها الإقصائية التي تتسم بالتناقض والازدواجية. وبدلاً من الاعتراف بـ “ثورة 15 أبريل” كحراك جذري لكسر أغلال التمكين، يمارسون “استهبالاً سياسياً” وتغييباً مقصوداً للدور التاريخي لـ “تحالف تأسيس” في حماية الثورة. هؤلاء يتعاملون مع الدماء بمنطق “الموزة المقشرة”؛ حيث ينتظرون اقتلاع النظام الإسلامي بآلة غيرهم دون دفع ثمن الموقف، طمعاً في استلام سلطة جاهزة. إن الحقيقة التي يهربون منها هي أن حرب 15 أبريل تمثل امتداداً طبيعياً لمواجهة سلاسل التهميش التاريخي التي سيتشكل عليها مستقبل السودان الجديد.

​”السودانوية” كبديل استراتيجي

​إن الخروج من تيه “دولة العصابة” وتآكل المركز لا يتم إلا بالعودة إلى منصة “السودانوية” (Sudanism) كإطار هوياتي جامع. “السودانوية” هي انتماؤنا الجغرافي الخالص للسودان (الكل المركّب)، وهي مشروعنا الثقافي في “تحالف تأسيس” لفك الارتباط مع المركزية الإقصائية وبناء دولة تعترف بتعددها وتديره بعدالة اجتماعية وسياسية.

​إن محاولات تغييب دور “تأسيس” هي محاولة لضرب جوهر “السودانوية” التي تمثل الإرادة الوطنية الجامعة. إننا نؤمن بأن أي خيار يتجاوز “السودانوية” كعقد اجتماعي ومشروع للسودان الجديد هو مدخل مباشر للتقسيم؛ وتتحمل النخبة المركزية المسؤولية التاريخية عن تفتيت الوجدان الوطني قبل تفتيت الأرض، حفاظاً على امتيازاتها الضيقة.

​خاتمة: البوصلة نحو السودان الجديد

​لقد برهنت الأعوام الثلاثة من عمر الحرب على عدم قدرة الرصاص على اغتيال الوعي الجمعي الذي عمّ جماهير الهامش السوداني العريض. يكمن الرهان اليوم في قدرة الإرادة الشعبية على استعادة الجزء المختطف من السودان بواسطة الإخوان وبلورته تحت راية السودان الجديد. ستبقى 15 أبريل منحوتة في الذاكرة بوصفها ذكرى الغدر بضحايا “التفويج” وبكل التضحيات، وتذكّرنا دائماً بأن طريق الحرية الممهد بالتضحيات هو الطريق الوحيد الذي لا يؤدي إلى الهاوية. سيظل السودان باقياً، وستظل روح “السودانوية” هي البوصلة التي تهدينا نحو الدولة المدنية الحديثة التي تسع الجميع.

What do you feel about this?