احمد حسب الرسول: ياسر عرمان .. مشروع بطل قومي هزمته النرجسية!

75
arman

احمد حسب الرسول

في البداية لا بد أن أقول إنني من المتابعين لمسيرة (ياسر عرمان ) السياسية، من بعد التحاقه بالحركة الشعبية في أوائل التسعينات من القرن الماضي، باعتبار أنها الزمن الذي تفتحت فيه عقولنا على السياسة، وصرنا لها من المتابعين.

كنا نبذل مجهوداً كبيراً في التقاط البث الإذاعي لإذاعة (التجمع الوطني الديمقراطي)، على أجهزة الراديو في الصباحات الباكرة، والتي كانت تبث من العاصمة الأريترية اسمرا، وكان (عرمان) حينها من نجوم المعارضة، على حداثة تجربته بالنسبة لمن معه من سياسيين مخضرمين، كانوا وجه السودان المدني المشرق والمقنع وذو التأثير.

ولا أعرف شخصاً أتيحت له الفرص في أن يكون على مقربة من الزعماء والقادة وكبار السياسيين مثل ياسر عرمان كونه استفاد من علاقات الراحل (جون قرنق)، لبناء شبكة علاقات ضمت شخصيات من جيل التحرير الذهبي في حزب المؤتمر الوطني الجنوب أفريقي، بتجاربهم العظيمة والملهمة، وكذلك اتيحت له فرصة التعرف عن قرب على زعماء وسياسيين من الأفارقة ومن غيرهم، كانوا جزءً مهماً من التاريخ السياسي في بلدانهم، وليس في ذلك من شك.

لكن المؤسف أن (عرمان) نظر في كل هؤلاء، ولم يستطع التمثل حتى بأبسط شيمهم، وأولها (التواضع) للرفاق وللجماهير، فكان التكبر والعجرفة والتآمر هي شيم (عرمان) الأبرز في التعاطي مع السياسة ومع الناس، وهذا – للأسف الشديد – ما عُرف عنه منذ عودته للسودان عقب اتفاق نيفاشا، في العام (2005).

فبعد اتفاق السلام الشامل تجد نسخة أخرى عن عرمان أكثر سوءاً، تطغى فيها عيوبه الشخصية وتؤثر كثيراً على صورته ومكانته كقائد يرجى منه أن يترفع على الصغائر، وبعد وفاة قرنق دخل (عرمان) في صراع داخل الحركة الشعبية مع (باقان أموم )على منصب الأمين العام للحركة الشعبية قبل استقلال الجنوب، ومع عبد العزيز الحلو في وقت لاحق، بعد أن استقطب مالك عقار إلى جانبه، ثم قاد انشقاقاً صحبة مبارك أردول من الحركة، أسلمه إلى الحركة الشعبية – التيار الديمقراطي، ليس على طريقة (الحركة الشعبية جناح المطعم الهندي)، والتي كان يقودها (دانيال كودي) و(تابيتا بطرس) في صفقتهم المفضوحة مع الحركة الإسلامية، لكنها أقرب لإقطاعية أو (شلة) ناطقة باسم عرمان.

يتعمد عرمان – المرشح الرئاسي السابق والذي انسحب طواعية أمام منافسه عمر البشير – إهانة عضوية حزبه (المستحدث) أمام الناس، دون أن تعرف له دافعاً لذلك! أو تجده يُكلف اثنين من عضوية حزبه بالوقوف خلفه وحراسته وهو داخل مكتبه في مشهد يبعث على الضحك، أو يطلب من بعض عضويته الخروج من المكان بطريقة مُذلة أشبه بالصراخ، وهو ما رآه الناس منه دون تجنٍ عليه، ولا يعلم ما في الصدور سوى علام الغيوب.

واليوم يقف عرمان وغروره – أو إن شئت نرجسيته  – من مؤتمر برلين  موقف المراقب غير النزيه فيكتب مقالاً بعوان (برلين:مظاهر الضعف وجدلية الحرب والثورة! هل مات إعلان الرباعية وصعدت خارطة الخماسية؟) .

وعلى الرغم من أن (عرمان) يقر في مقاله بأن مؤتمر برلين (أضاء عتمة الحرب في السودان وجذب اهتماماً إقليماً وعالمياً في ظروف اقليمية ودولية شائكة)، لكنه رأى أن من الضروري (مناقشة مظاهر الضعف). ومضى يقدح في المؤتمر، ويشكك في أنه محض (مؤامرة)، تستهدف إعادة الملف إلى الاتحاد الأفريقي الذي يعتنق – بحسب عرمان – وجهة نظر بورتسودان المعلنة في خارطة الطريقها المقدمة للاتحاد الأفريقي، كما أن حجم المساعدات المالية الهائل والذي أعلن عنه المؤتمر (محض وعود لن يتم الإيفاء بها)!

وهكذا ينسف عرمان مؤتمر برلين من أساسه بل ويصوره كشر مطلق، فيقول أن الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي قد وقعا اتفاقاً مشتركاً قبل مؤتمر برلين بعدة أشهر والذي أعطى قوة دفع أكبر لمسار الاتحاد الإفريقي الذي هو بالضرورة يستهدي بخارطة الطريق البورتسودانية.

يصور (عرمان) الأمر وكأنه (اكتشف) مؤامرة ما، أو كأن الاتحاد الأفريقي الذي أعجزته القوى المدنية عن الاعتراف بحكومة الأمر الواقع في بورتسودان، هو مما لا تقوى القوى المدنية على دفعه. وهو حديث فيه كثير من المغالاة والمبالغة والتلبيس، وهنا أيضاً تبحث عن الدافع الذي يجعل (عرمان) يترفع عن الإنخراط في التحالف المدني – الذي هو أحد مؤسسيه – والعمل ضمنه، بدلاً من التحجج بالحجج، ومحاولة التميز بموقف عديم اللون والطعم والرائحة، وليس فيها ما يغني ولا يسمن من جوع، وتطيل النظر، فلا تجد سوى أفة الغرور العرمانية.

ولا أريد أن أقول أن موقف (عرمان) غير الراضي عن جهود القوى المدنية المثمرة في برلين يأتي من كونه – وباختياره – لم يكن جزءً من وفد التحالف المدني المشارك في المؤتمر، كنتيجة طبيعية لابتعاده عن التحالف في الآونة الأخيرة والذي هو أشبه بـ(الحرد). لكن المؤكد أن عيوب (عرمان) الشخصية، خصمت كثيراً منه كسياسي، وكرجل دولة.

مرة أخرى يظلم (عرمان) نفسه، وينسى كل ما رآه وسمعه من سلوك الكبار الذين أسعفه حظه بلقائهم والسماع منهم، بل وأتيحت له كامل الفرصة للتأسي بتجربتهم، لكن لكل طاقته، وكل ميسر لما خلق له، وتقول كتب التاريخ أن الزعيم (يُولد)، ولا يُصنع، ولو كنت مكان (عرمان) لاكتفيت بالكتابة، ولفارقت السياسة إلى غير رجعة.

What do you feel about this?