د. مروة السيد: حصاد الخيانة .. كيف مزقت سياسة شراء الذمم السودان وأحرقت أصحابها

69
marawa

د. مروة السيد – استشارية جراحة القلب والاوعية الدموية – الرياض

لم تكن سياسة شراء الذمم وتقسيم المجتمعات في السودان مجرد أدوات مرحلية لجماعة الاخوان المسلمون والمؤتمر الوطني في السودان، بل كانت عقيدة سياسية متكاملة حكمت البلاد لثلاثة عقود، وأسست لانهيار عميق ما تزال ارتداداته تضرب كل مفاصل الدولة، حيث انتهج النظام طيلة ثلاثة عقود من الحكم سياسات ممنهجة لضمان البقاء في سدة الحكم، معتمداً بصورة أساسية على استراتيجية “فرّق تسد” وشراء الذمم، والتي تسببت في تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني، وزرع بذور الفتنة والانقسام بين مكونات المجتمعات السودانية، وما يعيشه السودان اليوم ليس سوى النتيجة الطبيعية لمسار طويل من العبث المنهجي بالنسيج الاجتماعي، حيث استبدلت قيم الدولة بفوضى الولاءات وأُحلت المصالح الضيقة محل مفهوم الوطن الذي يقف على حافة الانهيار الشامل، ليحصد نتائج تلك السياسات الكارثية التي لم تبقي النظام في السلطة، بل أورثت البلاد دماراً غير مسبوق.

استراتيجية التمزيق الممنهج

اعتمدت أجهزة النظام العميقة التابعة للحركة الإسلامية على تفكيك البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية في السودان، وتمثلت هذه الاستراتيجية في عسكرة مجموعات قبلية محددة في مواجهة أخرى، وتأليب القبائل ضد بعضها في دارفور وكردفان والشرق من خلال سياسة مدروسة تهدف إلى خلق صراعات دائمة تبقي الجميع في حالة استنزاف، بينما تظل السلطة في مأمن، وهكذا تحولت النزاعات حول الأرض والمياه إلى حروب أهلية طاحنة، ما أدى إلى تفتيت الهوية الوطنية الجامعة لصالح انتماءات ضيقة ومتصارعة، وإضعاف المؤسسات القومية، والمفارقة أن هذه الأجهزة لم تستفد من ماضيها المظلم، ولم تجري أي مراجعات نقدية لجدوى هذه السياسات، رغم الانهيار الشامل الذي يشهده السودان اليوم، وكان الأجدر بها أن تدرك أن بناء الدول لا يتم عبر تدمير مجتمعاتها، وأن السلطة التي تبنى على جماجم الأبرياء وتمزيق الأوطان مآلها الزوال.

 سوق النخاسة السياسية

في هذه الاستراتيجية نشأ ما يمكن تسميته بـ”سوق النخاسة السياسية”، حيث تشترى الولاءات وتباع المواقف من قادة حركات وزعماء قبائل وضباط صغار ووجوه اجتماعية وغيره، استخدامهم النظام على امتداد تاريخه، وتحولوا إلى أدوات في لعبة أكبر منهم، وتم استخدمهم لتنفيذ مخططات تدميرية ضد أهلهم ومناطقهم بما في ذلك شق الصف وتأجيج الصراع أو توفير غطاء اجتماعي لسياسات السلطة مقابل أموال ومناصب شكلية داخل مؤسسات الدولة، وهنالك عشرات الأفراد والمجموعات الذين انخرطوا في هذه اللعبة القذرة، دون وعي او التفكير في مراجعة مصير من سبقوهم ممن طبقت عليهم ذات الممارسات، واليوم لا أثرو لهم ليس لهم وجود لأنه بمجرد انتهاء الدور يلقى به في الخارج مجرداً من أي تأثير، وكانت النتيجة الحتمية أن ذهبوا إلى مزبلة التاريخ، بعدما أصبحوا منبوذين حتى داخل مجتمعاتهم الأصلية عقب انتهاء دورهم الوظيفي ولفظتهم الدولة العميقة، ولم تجني مجتمعاتهم أولئك الاشخاص وتلك الحركات التي بيعت ذمم قياداتها بقليل من المال والتوظيف شيئاً، بل جرى توظيفهم في قتل أهلهم والزج بمجتمعاتهم في حروب وصراعات عبثية لا تخدم سوى أجندة الحركة الإسلامية والدولة العميقة، والتاريخ السوداني مليء بهذه النماذج شخصيات صعدت فجأة، وملأت الفضاء ضجيجاً ثم اختفت بلا أثر تاركة خلفها مجتمعات ممزقة وذكريات مثقلة بالخيانة.

إعادة إنتاج الأزمة في زمن الحرب

المثير للقلق أن هذه السياسة لم تتوقف بسقوط النظام، بل أعادت إنتاج نفسها بصورة أكثر فجاجة خلال الحرب الحالية من بورتسودان إلى مناطق النزاع، والمأساة الحقيقية أن السيناريو ذاته يتكرر اليوم وبنفس الممارسات وبذات الأدوات، حيث تشترى ذمم قيادات أهلية وعسكرية بالطريقة نفسها، ولتنفيذ المخططات ذاتها. والسؤال هنا أين اختفى الكم الهائل من الإدارات الأهلية التي جرى حشدها في بورتسودان مع بداية الحرب، وملأت المشهد ضجيجاً وصخباً؟ لقد خفتت أصوات غالبيتهم بعد أن تم الاستغناء عنهم بانتهاء المهمة المؤقتة، وفي الوقت الراهن، برز نموذج آخر يتمثل في بعض القيادات العسكرية مثل “النور القبة” وهو ليس استثناء بل امتداد مباشر لهذه المدرسة، فهذا الرجل البسيط المحدود التعليم، كان في حاجة إلى النصح والإرشاد ممن حوله غير أن ما حدث كشف كيف تم استدراجه سياسياً وخداعة من خلال منحه سيارة رئاسية من قبل قائد الجيش، وهي منحة لا ينبغي أن تكون مدعاة للفخر، لأن البرهان بوصفه أحد وجوه الدولة العميقة المرتبطة بالحركة الإسلامية، يدرك تماماً كيف تدار مثل هذه الأساليب وكيف تنفذ الأهداف عبر الإغراءات الرمزية، وتقديم السيارة الرئاسية للنور القبة ليس سوى “عربون” ومدخل لإدخاله في شبكة معقدة من الالتزامات السياسية والأمنية ومخططات يراد تمريرها عبره، والمتضرر الوحيد من هذه المخططات لن يكون البرهان ولا أهله ولا عشيرته، بل أهل وعشيرة ومجتمع النور القبة نفسه.

غير أن النور القبة بطبيعة تكوينه البسيط ومحدودية أدواته الإدراكية، لا يبدو من النوع الذي ينشغل بتأمل مآلات الأفعال أو قراءة تعقيدات المشهد السياسي، بقدر ما يدفع إليه دفعاً في سياقات أكبر من وعيه وقدرته على الاستيعاب، ومع ذلك يظل السؤال الجوهري هنا “فهذه الحرب ستتوقف يوماً ما مهما طال أمدها، ونظام الحركة الإسلامية سيغادر بلا رجعة، كما سيتخلى البرهان والجيش في نهاية المطاف عن السلطة لصالح قوى مدنية، وحينها أين سيذهب أمثال النور القبة ومن ساروا في ذات الطريق؟ هل سيجدون مكاناً بينهم، وهل سيتمكنون من العودة للعيش وسط أهلهم وعشيرتهم في دارفور بعد كل ما اقترفوه؟ أم أين سيكون المفر؟

وفي النهاية، لا يدفع الثمن من يمنح هذه الامتيازات، بل من يقبلها من أمثال النور القبة، وموسى هلال، ومناوي، وجبريل، وسائر الانتهازيين، إذ يجدون أنفسهم في مواجهة مجتمعاتهم، محملين بإرث من القرارات التي لم تكن يوماً في صالحهم ولا في صالح مجتمعاتهم، وحينها قد يدركون متأخرين حجم الأخطاء التي ارتكبوها، ويكتشفون أن التاريخ لا يرحم وأن ذاكرة الشعوب لا تنسى، ومن يبيع أهله ووطنه بثمن بخس، سيجد نفسه في النهاية بلا أهل ولا وطن، وإنما مجرد ورقة محترقة في لعبة سياسية قذرة انتهت صلاحيتها.

What do you feel about this?