خالد أبو أحمد: استخدمتهم كسلاح .. كيف صنعت الحركة الإسلاموية جيشاً من الجُهلاء‏

63
khalid ahmed

خالد أبو أحمد

منذ فجر التاريخ لم يكن للإنسان عدو أشد فتكاً من الجهل، ليس الجهل بمعناه الساذج أي عدم القراءة والكتابة، ‏بل الجهل بمعناه الأعمق: الجهل بالنفس وأهمية الحفاظ عليها من المهالك، فضلاً عن الجهل بالآخر، والجهل ‏بآليات السلطة والحق والباطل‎.‎

في المقابل، المعرفة لم تكن يوماً ضرباً من التباهي أو تجميل الأفعال، فهي الشرط الأول لحياة كريمة، بها ‏يعرف الإنسان حقوقه فيطالب بها، ويعرف واجباته فيؤدّيها، ويعرف المستبد فلا ينخدع به، ويعرف الكذبة ‏فلا يروّج لها. والإنسان بغير المعرفة يصبح، مهما بلغ من العمر والقوة الجسدية، قاصراً في جوهره، ‏عرضةً لكل من أراد توظيفه لغرض، بل يصبح لعبة في أيدي المستبدين سواء كانوا أشخاصاً أو أنظمة حكم، ‏لأن الجاهل ببساطة لا يعرف ما يضره مما ينفعه‎.‎

والتاريخ الإنساني مليء بالشواهد التي تثبت أن الجهل لا يورث الفقر وحده، بل يورث الدم والخراب ‏والانهيار الكامل. فحين سقطت الأندلس الإسلامية في نهاية القرن الخامس عشر، لم يكن السبب الوحيد قوة ‏الإسبان العسكرية، بل كان من بين الأسباب الجوهرية أن الدويلات الإسلامية المتناحرة أنتجت شعوباً تتبع ‏القبيلة والعصبية والشيخ لا العقل والمصلحة العامة، شعوب لا تعرف من أمر دولتها إلا ما يُقال لها على ‏المنابر، فوقعت ضحية لتحالفات وخيانات لم تفهمها إلا بعد فوات الأوان‎.‎

وحين دخل الاستعمار الأوروبي القارة الأفريقية في القرن التاسع عشر، لم يجد أمامه جيوشاً منظمة فحسب، ‏بل وجد مجتمعات مفتتة تجهل بعضها بعضاً، وشعوباً لا تدرك مفهوم الدولة الموحدة، فكانت أدوات الفرقة ‏أيسر عليه من أدوات القهر العسكري. الجهل السياسي هو الذي فتح الأبواب قبل أن تفتحها المدافع‎.‎

وفي العصر الحديث حين صعد هتلر إلى السلطة في ألمانيا، لم يكن الشعب الألماني شعباً أميّاً، كانت ألمانيا ‏من أكثر دول العالم تعلماً آنذاك، لكنها كانت تعاني من شكل آخر من الجهل: الجهل السياسي والنقدي، ‏والقابلية للانسياق خلف رواية عاطفية تلبس الكذب ثوب الوطنية. والنتيجة كانت أشنع صفحة في تاريخ ‏البشرية الحديث‎.‎

الجهل إذن ليس غياب المعلومة فحسب، هو غياب الأداة التي تميّز بها بين الحق والباطل، وبين من يخدمك ‏ومن يستخدمك. وحين يُدار هذا الجهل بيد خبيثة واعية يتحول إلى سلاح فتّاك. وهذا بالضبط ما فعلته الحركة ‏الإسلاموية في السودان‎.‎

حين استولت الحركة الإسلاموية على السلطة عام 1989 كانت تعرف تماماً ما تريد وما أرادته في جوهره ‏كان إنتاج إنسان سوداني جديد: أكثر طاعةً وضعفا وأقل تساؤلاً، يتحرك بالغريزة والعاطفة لا بالتفكير، ‏ويرى في الولاء للحركة ولاءً لله‎.‎

أطلقت على مشروعها اسم “المشروع الحضاري الإسلامي”، وكانت غايته الحقيقية ليس بناء حضارة، بل ‏هدم ما تبقّى من عقل نقدي في المجتمع السوداني‎.‎

أول ما فعلته الحركة الإسلاموية هو ضرب المنظومة التعليمية من قمّتها، إذ أُقيل آلاف الأساتذة والأكاديميين ‏فيما عُرف بـ”صالح العام”، وهو مسمّى فضفاض أُريد به إخلاء المؤسسات من كل عقل مستقل لا يدين ‏بالولاء. غادر كثير من هؤلاء إلى المنفى وحُرم السودان من خبراتهم لعقود. ثم جاء “التعريب القسري” ‏للتعليم العلمي دفعةً واحدة دون كوادر مؤهلة ودون مناهج جاهزة، فخرج جيل كامل من المدارس حاملاً ‏شهادات لا تؤهله للتعامل مع مرجعيات المعرفة العالمية‎.‎

ثم تدهور التعليم العام تدهوراً كبيراً وأثّر في كل مناحي الحياة، وأُفرغت المناهج من محتواها الذي اشتُهر به ‏التعليم في السودان، وحُشيت بمواد دينية وسياسية تكرّس الولاء وتصنع الجهل وتحارب التفكير المستقل‎.‎

لكن الأخطر من تدمير التعليم كان بناء ثقافة موازية تمجّد الجهل وتقدّمه في ثوب الدين والأصالة. الجاهل ‏الذي أرادته الحركة الإسلاموية لم يكن أميّاً في الحروف، بل هو الشخص الذي يعرف كيف يتلو القرآن لكنه ‏لا يعرف كيف يقرأ ميزانية الدولة، الذي يحفظ أناشيد الجهاد لكنه لا يعرف أن الدين الخارجي تضاعف عشر ‏مرات، الذي يستطيع أن يكفّر جاره بسهولة لكنه يعجز عن تمييز الفساد من حوله. هذا النوع من الجهل لا ‏يُخلق بالإهمال، بل يُصنع بتخطيط. وقد استخدمت الحركة الإسلاموية لصناعته ثلاثة مصانع رئيسية‎:‎

أولها المسجد‎: ‎حوّلته الحركة الإسلاموية من مكان للعبادة والتعليم الحقيقي إلى منبر سياسي بغطاء ديني، ‏حيث تحولت خطب الجمعة إلى ندوات سياسية يُوجَّه فيها المصلون إلى اتخاذ مواقف بعينها ضد كل مخالف ‏في الرأي والفكر. الأئمة الذين عيّنتهم ووجّهتهم لم يكن همّهم الأول نشر المعرفة والفقه أو ترسيخ الأخلاق ‏الحميدة، بل تكريس فكرة أن الطاعة السياسية للنظام الإسلاموي واجب ديني، وأن من يعارضه يعارض الله. ‏جيل كامل نشأ يسمع هذا الكلام منذ طفولته‎.‎

ثانيها الإعلام‎: ‎سيطرت الحركة الإسلاموية على الأجهزة الإعلامية الرسمية وأضافت إليها قنوات فضائية ‏وصحفاً يومية بهدف تمجيد النظام وإلصاق صفة الخيانة والعمالة بكل من يخالفه الرأي. واستقطبت لهذا ‏الغرض من لا ضمير له ولا موهبة من عديمي الأخلاق، وأغرتهم بالمال والامتيازات، فصارت وسيلةً ‏لتشويه العقول بدلاً من تنويرها. طوال عقود كان المواطن السوداني يتلقى رواية واحدة عن بلاده وعن العالم ‏بلا معارضة ولا نقد ولا تعدد، حتى بات يبحث في القنوات الأجنبية عن أخبار بلاده‎.‎

ثالثها الفقر المُدار‎: ‎الفقر وحده لا يصنع الجهل، لكن الفقر الممنهج الذي يُبقي الإنسان مشغولاً بلقمة عيشه ‏يعطّل كل تفكير آخر. حين يفكّر الرجل كل يوم في كيفية إطعام أطفاله لا يبقى لديه وقت ليسأل: أين ذهبت ‏عائدات النفط؟ ومن يحكم البلاد ولصالح من؟ والحركة الإسلاموية أتقنت إدارة هذا الفقر لا معالجته‎.‎

لم تكتفِ الحركة الإسلاموية بصناعة الجهل ثقافةً، بل حوّلته إلى وقود بشري في حروبها المتعاقبة. حين ‏دفعت بآلاف الشباب السوداني إلى حروبها تحت راية الكرامة والجهاد في سبيل الله، لم يكن هؤلاء الشباب ‏مجرمين في جوهرهم، كانوا ضحايا جهل مركّب: جهل بتاريخ بلادهم، وجهل بطبيعة الصراع الذي أُزجّ بهم ‏فيه، وجهل بحقوق إخوتهم السودانيين الذين وجدوا أنفسهم يقاتلونهم. ورجل يحمل السلاح ضد ابن وطنه في ‏دارفور أو جبال النوبة مقتنعاً بأنه يؤدي فريضة دينية أشد خطراً بكثير من جندي يعرف أنه يخدم مصالح ‏سياسية‎.‎

واليوم في خضم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 يتكرر المشهد بصورة أشد بشاعة. فئات من ‏السودانيين في الداخل والمهجر تسبغ الشرعية على جرائم موثّقة، وتتداول الأكاذيب وترسّخها، وتكيل ‏اتهامات الخيانة لكل من يطالب بوقف القتال. كثير من هؤلاء ليسوا بالضرورة أشراراً، لكنهم ببساطة لا ‏يعرفون، ولأنهم جهلاء لم يتعلموا يوماً كيف يفرّقون بين خبر وشائعة، وبين تحليل وتحريض، وبين حب ‏الوطن وخدمة الأوهام. والحركة الإسلاموية تعرف ذلك جيداً وتستثمر فيه بكل ما أوتيت من قدرة‎.‎

من أشد مفارقات هذه المأساة إيلاماً ما شهدناه قبل أيام من تحشيد مجموعات من السودانيين في المهجر ‏للوقوف ضد إرادة السلام في البلاد، اشترتهم الحركة الإسلاموية بدولارات لا تساوي كرامةً ولا وطناً، ‏واستغلت فيهم الجهل المركّب الذي صنعته هي نفسها في عقولهم قبل سنوات‎.‎

هناك من يعيشون في دول متقدمة ويعملون في مؤسسات راقية ويتعلم أبناؤهم في بيئات تعليمية متطورة، ‏ومع ذلك لا يزالون يحملون في داخلهم ذلك الوعي السياسي المشوّه الذي أرسته فيهم الحركة الإسلاموية قبل ‏أن يغادروا. يتابعون أخبار السودان عبر صفحات تُدار بأيديولوجيا واضحة، ويحكمون في قضايا بالغة ‏التعقيد بسذاجة مربكة. وفي غرف الواتساب المنتشرة في الجاليات السودانية حول العالم تجري صناعة كاملة ‏لتوزيع التحريض والكذب، وقودها الأساسي ذلك الرصيد الراسخ من الجهل السياسي والتاريخي الذي ‏زرعته الحركة الإسلاموية في عقول أجيال‎.‎

لعل أخطر ما أنتجته الحركة الإسلاموية على الإطلاق هو تلك الطبقة الواسعة من “أنصاف المتعلمين”: ‏الذين حصلوا على شهادات لكنهم لم يتلقّوا تعليماً حقيقياً. هؤلاء يمتلكون ثقة الشخص المتعلم دون أن يمتلكوا ‏أدواته، يتحدثون بيقين عمّا يجهلون، ويؤثّرون في من حولهم بقدر ما يضلّلونهم‎.‎

هذه الشريحة تحديداً كانت الرصيد البشري الأكثر فاعلية لخدمة الحركة الإسلاموية في مراحلها المختلفة، ‏لأن الجاهل البسيط يمكن إقناعه بالحقيقة حين تصله، أما نصف المتعلم فهو يرفض الحقيقة دفاعاً عن ‏غروره، ويرى في اعترافه بالخطأ انتقاصاً من شأنه. وهذا النوع من الجهل المحصّن بالكبرياء هو الأصعب ‏علاجاً والأشد ضرراً‎.‎

السودان لا يعاني من نقص في العقول الذكية، لكنه يعاني من حركة أمضت أربعة عقود في تحييد هذه العقول ‏أو تشويهها أو دفعها إلى المنفى. ومعالجة هذا الواقع لا تبدأ بالانتخابات ولا بالدساتير، بل تبدأ بسؤال ‏جوهري: كيف نُعيد بناء الإنسان السوداني الذي يعرف ويفكّر ويميّز؟

في هذا المنحى أشعر أننا جميعاً مسؤولون أمام الله والوطن في أن نجتهد وأن نسعى في نشر المعرفة داخل ‏أسرنا ومن حولنا بكل طريقة ممكنة، فلا ديمقراطية حقيقية بلا مواطن مدرك، ولا سلام مستدام في مجتمع ‏يتحرك بالغرائز والأوهام. وأي إعادة بناء للسودان لا تضع محاربة الجهل في صدارة أولوياتها هي إعادة ‏بناء لجسد بلا روح‎.‎

الحركة الإسلاموية آمنت بأن الجاهل أسهل قيادةً من المتعلم، وأن الخائف أطوع من الواثق، وأن الفقير ‏أسرع استجابةً من الكريم. وقد أحسنت في فهم هذه المعادلة وأساءت في توظيفها. ومهمة الأجيال القادمة أن ‏تثبت أن المعادلة يمكن أن تُقلب: أن السودان الذي يعرف هو وحده القادر على أن يحكم نفسه، وأن يختار ‏مصيره، وأن يحاسب من خان أمانة السلطة فيه‎.‎

What do you feel about this?