أزمة النخبة “العسكرسياسية” .. مغامرة جديدة للعطا “لإحراق الأرض” في كردفان! تحليل

23
alataa

مصدر التقرير: تحليل عسكري – صحيح السودان

في ظل واقع ميداني يتسم بالتضارب الحاد في الروايات حول المعارك التي شهدتها كردفان أمس السبت، يأتي هذا التحليل كمحاولة لتقديم قراءة فاحصة وموضوعية للعمليات القتالية المكثفة. فبينما جاء البيان الرسمي للقوات المسلحة السودانية مقتضبًا، ويفتقر إلى الأرقام الحاسمة أو الأدلة الميدانية المثبتة التي تدعم موقفه، تتدفق على المنصات الرقمية فيديوهات ومنشورات تشكل “دليلاً بصرياً” ملموساً لصالح قوات الدعم السريع.

إن هذا التباين بين الرواية الرسمية والتوثيق الميداني يفرض علينا الغوص في التفاصيل العسكرية لفهم حقيقة ما جرى في محاور كردفان، بعيداً عن البروباغندا الحربية، وسعياً وراء المنطق العملياتي الذي يحكم الأرض.

البعد القيادي والسياسي.. لماذا الآن؟

يأتي هذا التصعيد العنيف بعد أقل من 10 أيام فقط من تولي ياسر العطا رئاسة هيئة الأركان، وهو ما يحمل دلالات رمزية وعملياتية عميقة؛ ففي العقيدة العسكرية السودانية، غالبًا ما يسعى القائد الجديد لتدشين عهده بـ”عملية تعرضية” (Offensive Operation) واسعة لفرض واقع ميداني جديد.

ويبدو أن العطا أراد تقديم “بيان بالعمل” أمام التيار الداعم له الذي قدمه لهذا المنصب، لإثبات أن عهده سيكون عهد المبادرة والاندفاع الهجومي وكسر حالة الجمود الدفاعي.

إلا أن هذا الطموح السياسي اصطدم بـ”حائط الصد التكتيكي” والجغرافيا القاسية، ما جعل هذه الخطوة تبدو وكأنها استعجال لقطف ثمار سياسية قبل نضج الظروف العملياتية على الأرض، خاصة في ظل الاعتماد المكثف على “القوات المشتركة” التي تفتقر إلى التجانس التام مع تشكيلات الجيش النظامي في مثل هذه البيئات المفتوحة.

الأهمية الاستراتيجية والجغرافيا العسكرية

تمثل مدينة الأبيض “القلب الجيوسياسي” لإقليم كردفان، والسيطرة على محيطها تعني التحكم في “عقدة المواصلات الاستراتيجية” التي تربط المركز بدارفور وجنوب كردفان.

وبالنظر إلى الإحداثيات الميدانية، نجد أن المعارك دارت في مثلث (كازقيل – الحمادي – علوب)، حيث تقع “كازقيل” على بعد 35 كم جنوب الأبيض، و”الحمادي” على بعد 80 كم جنوب غربها.

هذه المسافات تضع القوات المهاجمة في حالة “انكشاف عملياتي” تام، إذ تتميز المنطقة بطبيعة “السافانا الفقيرة” والأراضي شبه الصحراوية المكشوفة التي تخدم تكتيكات “حرب الحركة الخاطفة” (Technicals Warfare).

إن خروج الجيش من حامياته الحصينة في مقر قيادة الفرقة الخامسة مشاة “الهجانة”، وتمديد خطوط إمداده في هذه الفضاءات دون استطلاع إلكتروني أو غطاء جوي دائم، حوّل وحداته إلى أهداف سهلة لـ”الكمائن الالتفافية”، ما أفقد القوة المهاجمة ميزة التمركز، وجعلها عرضة للاستنزاف في مناطق بعيدة عن قواعد الدعم اللوجستي.

قراءة في مجريات القتال (التكتيك والأداء العملياتي)

كشفت المواجهات عن تفوق واضح لمدرسة “الكتل القتالية المرنة” (Mobile Combat Units) التي تتبناها قوات الدعم السريع على حساب مدرسة “التشكيلات النظامية الثقيلة” للجيش.

التقارير التي تحدثت عن فقدان أكثر من 170 عربة قتالية (132 مستلمة و44 محروقة) تشير إلى وقوع “إبادة تعبوية” لوحدات كاملة نتيجة تعرضها لعملية “سحق في المساحات المفتوحة”.

لقد نجح الدعم السريع في استخدام تكتيك “الانسحاب لغرض الجذب”، ثم الإطباق من الأجنحة، ما أدى إلى انهيار منظومة القيادة والسيطرة وسط القوات المشتركة.

عسكريًا، يمثل هذا النوع من الخسائر شللاً في القدرة على إعادة التجميع، خاصة أن قوات الدعم السريع تعتمد على “التعويض الميداني الفوري”، عبر إعادة توظيف العتاد المستولى عليه في ذات المعركة، ما يخلق حالة من الرعب النفسي والخلل النيراني ضد القوات المنسحبة باتجاه الأبيض.

سيكولوجية القيادة وإدارة الفشل “سلاح الإقالات”

من المتوقع، كعادة العقيدة القيادية السودانية عند مواجهة انتكاسات ميدانية كبرى، أن تلجأ رئاسة الأركان فورًا إلى سلاح “الإقالات والمحاكمات الإيجازية” لقادة المحاور وضباط الفرقة الخامسة مشاة.

هذا السلوك يهدف إلى “تصدير الفشل”، وتصوير الكارثة على أنها نتاج قصور في التنفيذ الميداني، لا خلل في التخطيط الاستراتيجي الصادر من القمة.

إن استخدام “الإقالات” كأداة للتخويف والتحفيز القسري يهدف إلى ضمان ولاء القادة الميدانيين ومنع أي صوت معارض لخطط “الحسم” التي يتبناها العطا.

هي محاولة لسد الفجوة في الثقة عبر تقديم “قادة كبش فداء”، وإرسال رسالة مفادها أن القيادة العليا لا تزال تسيطر على زمام الأمور، وأن العقاب هو مصير أي تراجع، بغض النظر عن مدى واقعية المهام الموكلة لتلك القوات في بيئة جغرافية معادية.

التوقعات المستقبلية

على المدى المنظور، من المرجح أن ينكمش الجيش والحركات المتحالفة معه داخل “الطوق الدفاعي” الضيق لمدينة الأبيض، تاركين الريف الكردفاني لسيطرة المجموعات المتحركة.

هذا التراجع سيؤدي حتماً إلى حصار لوجستي للمدينة وتزايد الضغوط الإنسانية. استراتيجياً، يمثل هذا الفشل اختباراً مبكراً وصعباً لياسر العطا؛ فإما أن يعيد مراجعة تكتيكات “العمليات المشتركة” والاعتماد على السلاح النوعي، أو أن يستمر في سياسة الاندفاع المكلف التي تؤدي في النهاية إلى تآكل الثقة بين الجيش وحلفائه من الحركات المسلحة، ما يفتح الباب أمام تحولات دراماتيكية في خارطة السيطرة على كامل إقليم كردفان.

عبث السلاح والدرس المنسي

إن ما حدث في فضاءات كردفان أمس السبت، وما سبقه من معارك في الخرطوم ودارفور والجزيرة، يضعنا أمام الحقيقة العارية التي حاول الجميع القفز فوقها بطلقات المدافع إنها حرب بلا أفق، وصراع لا يعرف الانتصار الحاسم.

لقد مضت ثلاث سنوات كاملة منذ جحيم الخامس عشر من أبريل 2023، وما زالت الآلة العسكرية تكرر أخطاء تكتيكية، وما زالت قيادات القوات المسلحة تراهن على “الحسم” في مراهنة خاسرة على جثث الأبرياء وأطلال المدن.

إن الدرس الذي تعلمه الشعب السوداني بدمه، وعرفه العالم أجمع، هو أن السلاح في هذه الحرب لا يصنع نصراً، بل يصنع “عدماً”؛ فكل تقدم وهمي على الخارطة يقابله ارتداد وطني في السيادة والكرامة ولقمة العيش.

بعد ثلاث سنوات من الحرب، يبدو أن النخبة “العسكرسياسية” هي الوحيدة التي لم تتعلم الدرس؛ فلا “المجموعات المتحركة” استطاعت أن تحكم، ولا “الزخم الهجومي” للقيادات الجديدة استطاع أن يؤمّن الأرض.

إن استمرار المقامرة بحياة الجنود والمدنيين في معارك “إثبات الكفاءة” هو جريمة مكتملة الأركان بحق بلد يتفتت. لقد حان الوقت لتدرك كافة الأطراف أن القوة الحقيقية ليست في عدد العربات المستولى عليها أو المناطق “المطهرة” بالدخان، بل في القدرة على إيقاف هذا الانتحار الجماعي.

فالثورة التي نادت بالحرية والسلام والعدالة لن تقبل بأن يكون ثمن “الشرعية” هو إبادة الشعب، ولن يغفر التاريخ لمن جعل من أرض السودان مختبرًا لشهوة السلطة وفشل التخطيط، بينما الوطن يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت جنازير الدبابات وصيحات “النصر” الزائفة.

What do you feel about this?