الطائرات المسيّرة في السودان: حرب منخفضة الكلفة تغرق البلاد في بحر من الدماء والنزوح

11
msyrat

تصاعد غير مسبوق للهجمات الجوية يحصد أرواح المدنيين ويحوّل سماء السودان إلى ساحة مفتوحة للموت وسط تحذيرات أممية من مرحلة أكثر دموية في الصراع

تقرير – بلو نيوز

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد الطائرات بدون طيار مجرد أداة عسكرية تستخدمها الأطراف المتحاربة في ساحات القتال، بل تحولت إلى أحد أبرز معالم الصراع وأكثرها فتكاً بالمدنيين. فبينما يُنظر إليها باعتبارها سلاحاً منخفض الكلفة وعالي الفعالية عسكرياً، فإن آثارها الإنسانية كانت كارثية، إذ أسهمت في توسيع رقعة الموت والنزوح، وحولت حياة ملايين السودانيين إلى معاناة يومية تحت تهديد دائم يأتي من السماء.

وفي تحذير لافت، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن اتساع نطاق العنف واستخدام الطائرات المسيّرة بصورة متزايدة ينذر بدخول الحرب مرحلة جديدة أكثر دموية، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد.

سماء السودان تتحول إلى مسرح للموت

خلال العامين الماضيين، شهد السودان تحولاً نوعياً في طبيعة العمليات العسكرية، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من استراتيجية الحرب لدى الأطراف المتقاتلة. ووفقاً لبيانات أممية، تسببت هذه الطائرات في النسبة الأكبر من وفيات المدنيين المرتبطة بالنزاع خلال الأشهر الأخيرة.

وتشير الإحصاءات إلى مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً جراء هجمات الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري وحده، فيما تجاوز عدد الهجمات الموثقة منذ اندلاع الحرب حاجز الألف هجوم، في مؤشر يعكس التصاعد المستمر للاعتماد على هذا النوع من السلاح.

ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على أعداد الضحايا فحسب، بل تمتد إلى طبيعة المناطق المستهدفة، إذ تركزت نسبة كبيرة منها في مناطق مأهولة بالسكان، الأمر الذي ضاعف من الخسائر البشرية وأدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية المدنية والخدمات الأساسية.

مدن تحت القصف

تكشف خرائط الهجمات عن واقع مأساوي تعيشه العديد من الولايات السودانية. فالخرطوم، التي كانت يوماً القلب السياسي والاقتصادي للبلاد، تصدرت قائمة المناطق الأكثر تعرضاً للهجمات، تلتها ولايات شمال كردفان وشمال دارفور وغرب كردفان.

كما سجلت مناطق دارفور وكردفان أعلى معدلات للضحايا المدنيين، في ظل استمرار القصف الجوي واستهداف المركبات المدنية والأسواق والتجمعات السكانية، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى خلال الأشهر الماضية.

وفي واحدة من أكثر الهجمات دموية، أسفرت ضربات جوية استهدفت مناطق في جنوب وشمال كردفان خلال مايو الماضي عن مقتل عشرات المدنيين، بينما وثقت منظمات حقوقية استهداف مركبات مدنية في عدة ولايات خلال فترة زمنية قصيرة، مخلفة عشرات الضحايا.

سلاح رخيص وثمن إنساني باهظ

المفارقة أن الطائرات المسيّرة التي أصبحت رمزاً للحرب في السودان تعد من أقل الأسلحة كلفة مقارنة بالطائرات الحربية التقليدية. فبإمكان طائرة واحدة من الطرازات المتوسطة تنفيذ ضربات دقيقة وإحداث خسائر بشرية واسعة بكلفة لا تقارن بتكاليف العمليات الجوية التقليدية.

هذا العامل جعل الطائرات المسيّرة خياراً مفضلاً للأطراف المتحاربة وللقوى الإقليمية المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في النزاع، الأمر الذي ساهم في تسريع وتيرة الحرب وزيادة قدرتها التدميرية.

ويرى مراقبون أن انتشار هذا النوع من السلاح غيّر قواعد الصراع بالكامل، إذ ألغى كثيراً من القيود اللوجستية التي كانت تحد من العمليات العسكرية، ومكّن الأطراف المتحاربة من مواصلة القتال حتى خلال مواسم الأمطار التي كانت تقليدياً تؤدي إلى انخفاض وتيرة المواجهات البرية.

النزوح الأكبر عالمياً

تأتي تداعيات حرب الطائرات المسيّرة في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فوفقاً للمنظمات الدولية، تجاوز عدد النازحين داخلياً تسعة ملايين شخص، بينما اضطر ملايين آخرون إلى الفرار نحو دول الجوار.

ويشكل الأطفال أكثر من نصف النازحين، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالبلاد. كما تواجه الأسر النازحة أوضاعاً شديدة القسوة في ظل انهيار الخدمات الأساسية، ونقص المياه والرعاية الصحية والتعليم، واستمرار انعدام الأمن في مناطق واسعة.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن استمرار الهجمات الجوية واتساع رقعة القتال قد يدفع بموجات جديدة من النزوح، خاصة في المناطق التي ما تزال تشهد مواجهات عسكرية متصاعدة.

حرب بلا أفق

بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، تبدو الطائرات المسيّرة عنواناً لمرحلة جديدة من الصراع السوداني، مرحلة تتزايد فيها القدرات التدميرية للأطراف المتحاربة بينما تتراجع فرص الحل السياسي.

وفي الوقت الذي تتنافس فيه القوى العسكرية على امتلاك المزيد من التكنولوجيا القتالية، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف والأكثر دفعاً للثمن. فكل ضربة جديدة تعني مزيداً من الأرواح المفقودة، ومزيداً من الأسر المشردة، ومزيداً من الانهيار في بلد يواجه بالفعل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ومع استمرار الحرب واتساع استخدام الطائرات المسيّرة، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى سيبقى السودانيون يدفعون ثمن صراع لا يبدو أن أحد أطرافه قادر على حسمه عسكرياً، بينما تتسع دائرة الموت والنزوح يوماً بعد آخر؟

What do you feel about this?