بيان مجموعة السبع: إعادة تموضع المقاربة الدولية تجاه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان 

1
اجتماع وزراء مالية مجموعة الدول السبع ومحافظي البنوك المركزية في باريس

وزراء مالية مجموعة السبع يقفون لالتقاط صورة في يوم اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع في باريس يوم 18 مايو أيار 2026. تصوير: توم نيكلسون - رويترز

وكالات – بلو نيوز

أصدر وزراء خارجية دول مجموعة السبع، الأربعاء الماضي، بمشاركة الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، بياناً مشتركاً بشأن مدينة الأبيض في السودان.

ورغم ارتباط صدوره بالتطورات العسكرية التي شهدتها المدينة، فإن الوثيقة تجاوزت في مضمونها حدود الحدث الميداني، وقدمت رؤية سياسية متكاملة للحرب السودانية، ورسمت الإطار الذي ترى القوى الغربية أنه ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة.

وتنبع أهمية البيان من الجهة التي أصدرته. فمجموعة السبع، التي تضم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا، واليابان، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، تمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي في المنظومة الغربية.

وعلى الرغم من أن بيانات المجموعة لا تتمتع بقوة إلزام قانونية، فإنها كثيراً ما تشكل المرجعية السياسية التي تستند إليها التحركات اللاحقة داخل مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، والسياسات الخارجية للدول الأعضاء، كما تمهد في كثير من الأحيان لمسارات دبلوماسية وإجراءات عملية.

وتكتسب الوثيقة أهميتها أيضاً من توقيت صدورها. فقد جاءت في مرحلة اتسمت بتعثر جهود الوساطة، واستمرار العمليات العسكرية، واتساع الأزمة الإنسانية، وارتفاع مستوى القلق الدولي من التداعيات الإقليمية للحرب.

وتشير صياغة البيان إلى أن العواصم الغربية تنظر إلى السودان بوصفه ملفاً يرتبط بأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، وحركة التجارة الدولية، وهو ما يفسر انتقال الاهتمام من متابعة تطورات الميدان إلى محاولة التأثير في مسار التسوية السياسية.

تطور في الخطاب السياسي

تكشف المقارنة بين البيان الأخير وبيانات مجموعة السبع الصادرة خلال عامي 2024 و2025 عن تطور واضح في منهج الخطاب السياسي.

فقد اتسمت البيانات السابقة بالتركيز على المبادئ العامة، مثل حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والدعوة إلى وقف القتال. أما البيان الأخير، فقد أدرج تقييماً مباشراً لمواقف الأطراف من المبادرات السياسية، وربطها بمسار خفض التصعيد.

ويتضح ذلك في الفقرة التي جاء فيها: “ندعو القوات المسلحة السودانية إلى وقف رفضها المتكرر لتدابير خفض التصعيد المقترحة.” «”We call for the Sudanese Armed Forces to cease their repeated rejection of the proposed de-escalation measures.”»

وتحمل هذه الصياغة دلالة سياسية تتجاوز لغة البيانات التقليدية، لأنها تسجل في وثيقة صادرة عن القوى الغربية الكبرى تقييماً لسلوك أحد أطراف النزاع تجاه المبادرات الدولية، وهو تطور لم يكن حاضراً بهذه الدرجة من الوضوح في البيانات السابقة.

ويعزز البيان هذا الاتجاه بالنص التالي:

“نحث القوات المسلحة السودانية على الوقف الفوري للأعمال العدائية والانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية”. «”We urge the Sudanese Armed Forces to immediately cease hostilities and to engage in direct negotiations in good faith.”» ويعكس هذا النص اتجاهاً متقدماً في المقاربة الغربية، يقوم على ربط تقييم الأطراف بدرجة تفاعلها مع جهود التسوية السياسية، والانخراط في مفاوضات مباشرة، والاستجابة لمقترحات خفض التصعيد.

إعادة تشكيل معايير التقييم الدولي

تكمن الأهمية السياسية للبيان في أنه يقدم مؤشرات إلى تطور المعايير التي تستند إليها القوى الغربية في تقييم سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

فالعلاقة مع الحكومة السودانية ظلت تستند، طوال السنوات الماضية، إلى الاعتبارات المرتبطة بتمثيل الدولة وموقعها في النظام الدولي. ويضيف البيان إلى هذه الاعتبارات معياراً سياسياً يرتبط بدرجة التفاعل مع المبادرات الدولية والالتزام بالمسار التفاوضي.

ويؤكد هذا التوجه قوله:  “ندعم الجهود الجارية للرباعية والخماسية للتوصل إلى هدنة إنسانية، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار، ثم حوار سياسي مستقل وشامل وشفاف بقيادة مدنية”. «”We support ongoing broader efforts by the Quad and the Quintet to achieve a humanitarian truce, followed by a permanent ceasefire and an independent, inclusive, transparent and civilian-led political dialogue.”» وتحدد هذه الفقرة الإطار السياسي الذي تتبناه مجموعة السبع لمعالجة الأزمة السودانية.

كما تشير إلى أن تقييم مواقف الأطراف سيظل مرتبطاً بدرجة اقترابها من هذا المسار، وهو ما يمنح البيان أهمية تتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي، ليصبح وثيقة مرجعية في فهم الاتجاه الذي تتحرك نحوه السياسة الغربية تجاه السودان.

البيان يرسم حدود المرحلة المقبلة

لا يقتصر مضمون البيان على الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وإنما يقدم تصوراً متكاملاً لشكل التسوية التي تحظى بدعم القوى الغربية، وللأسس التي ينبغي أن تقوم عليها المرحلة الانتقالية بعد توقف الحرب.

ويبرز ذلك في التأكيد على وحدة الدولة السودانية، حيث جاء في البيان:

“نجدد التزامنا الثابت بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ونرفض جميع المبادرات الأحادية التي قد تقود إلى تقسيم البلاد.” «”We reaffirm our unwavering commitment to Sudan’s sovereignty, unity and territorial integrity. We reject all unilateral initiatives that risk leading to the country’s partition.”» وتعكس هذه الفقرة إدراكاً متزايداً داخل العواصم الغربية للمخاطر التي يمكن أن تترتب على استمرار الحرب، وما قد تنتجه من ترتيبات سياسية أو إدارية تفرضها الوقائع العسكرية. ولذلك، يضع البيان وحدة السودان ضمن المرتكزات الأساسية لأي تسوية سياسية مستقبلية.

وفي السياق نفسه، تضمن البيان دعوة ذات دلالة سياسية عندما طالب مجلس الأمن بما يلي: “ندعو مجلس الأمن إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية.” «”We call on the United Nations Security Council to expand the arms embargo to the entire Sudanese territory.”»

وتحمل هذه الدعوة أهمية خاصة، لأنها تعكس استعداداً لبحث أدوات جديدة في إدارة الأزمة السودانية. ورغم أن تنفيذها يظل رهناً بقرار من مجلس الأمن، فإن مجرد إدراجها في بيان صادر عن مجموعة السبع يكشف عن توجه نحو رفع مستوى الانخراط الدولي في الملف السوداني.

ما بعد البيان

تكمن القيمة الاستراتيجية لهذه الوثيقة في أنها تقدم مؤشرات على الكيفية التي قد تُبنى بها المواقف الغربية خلال المرحلة المقبلة. فالبيان يجمع بين تقييم سلوك الأطراف، ودعم مسار تفاوضي محدد، والتأكيد على وحدة السودان، والدعوة إلى أدوات يمكن أن تعزز الضغوط الدولية.

ومن هذا المنطلق، يصبح تعامل سلطة الأمر الواقع في بورتسودان مع المبادرات السياسية عاملاً مؤثراً في طريقة تقييمها داخل العواصم الغربية.

ولا يتعلق الأمر بمراجعة الاعتراف الدبلوماسي، وإنما بتوسيع دائرة المعايير التي تستند إليها القوى الغربية في بناء مواقفها، بحيث تشمل مستوى التعاون مع جهود الوساطة، والاستجابة لمقترحات خفض التصعيد، والانخراط الجاد في العملية السياسية.

وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية عند مقارنتها ببيانات عامي 2024 و2025، التي ركزت بصورة رئيسية على الجوانب الإنسانية ووقف الأعمال العدائية. أما بيان يوليو 2026، فيتضمن لغة أكثر تحديداً في توصيف المواقف السياسية، ويقدم تصوراً أكثر وضوحاً للمسار الذي يحظى بالدعم الدولي، وهو تطور يعكس نضجاً في المقاربة الغربية للحرب السودانية بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الصراع.

يفتتح بيان مجموعة السبع مرحلة جديدة في إدارة الملف السوداني على المستوى الدولي، ويقدم مرجعية سياسية ستؤثر في قراءة العواصم الغربية لتطورات الحرب خلال الفترة المقبلة.

وقد رسمت الوثيقة إطاراً واضحاً للمسار الذي يحظى بالدعم الدولي، وربطت تقييم مواقف الأطراف بدرجة استجابتها لمبادرات خفض التصعيد، والانخراط في المفاوضات، ودعم عملية سياسية بقيادة مدنية.

وتشير المؤشرات الواردة في البيان إلى أن المواقف الغربية تتجه نحو اعتماد معايير أكثر تحديداً في تقييم أداء سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. وسيظل مدى التعاون مع المبادرات الدولية، والاستجابة لجهود الوساطة، والالتزام بالحل السياسي، عناصر ذات وزن متزايد في صياغة المواقف الدبلوماسية، وفي طبيعة التعاطي مع الحكومة السودانية داخل مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، وعواصم مجموعة السبع.

وفي الأعراف الدبلوماسية، تمثل البيانات الصادرة بإجماع القوى الكبرى وثائق تأسيسية للمراحل اللاحقة، أكثر من كونها مواقف ظرفية مرتبطة بحدث ميداني.

ويضع بيان 15 يوليو 2026 السودان أمام لحظة سياسية دقيقة؛ فالمجتمع الدولي سجل في وثيقة رسمية معاييره، وحدد أولوياته، وأعلن المسار الذي يمنحه دعمه

 

صحيح السودان

What do you feel about this?