انهيار سلاح المدرعات .. نتيجة حتمية لتغلغل الإسلاميين الإرهابيين واستبدال الخبرات بالولاء التنظيمي

2
mdrast

وكالات – بلو نيوز

يعد سلاح المدرعات تاريخيًا أحد الأعمدة الرئيسة للقوات المسلحة السودانية منذ أصبح وحدة عسكرية مستقلة في عام 1965، وكذلك يعتبر مصدراً للقوة الصادمة في أي عقيدة قتالية تقليدية. وقد تركزت قيادة السلاح وبنيته اللوجستية في منطقة الشجرة بالخرطوم، التي ضمّت مقرات القيادة والورش والمخازن، ما جعلها مركز ثقل لوجستي وتنظيمي حاسم، كما أدى دوراً محورياً في الانقلابات العسكرية بالسودان.

من غنيمة إلى إدانة

قبل اندلاع حرب 15 أبريل، اعتمد سلاح المدرعات على دبابات قديمة نسبيًا، من طرازات تعود لعقود سابقة، مع تحديث محدود، وضعف في أنظمة الحماية والاتصال والوعي الموقعي. وشكّلت الدبابات الروسية ومنظومة دول أوروبا الشرقية النواة الأساسية لسلاح المُدرّعات، كما ضم قطع سلاح أمريكية الصنع إبان حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري.

لكن لم تكن خسائر سلاح المدرعات في الجيش السوداني خلال حرب أبريل نتيجة عسكرية طبيعية لصراع داخل محيط حضري يضمُّ أحياء مأهولة في الخرطوم فحسب؛ بل شكّلت مؤشرًا خطيرًا على انهيار مؤسسي سابق للحرب نفسها.

وتحول السلاح الذي يُفترض أن يمثّل قوة الصدمة والحسم، وخطَّ دفاع أخير عن العاصمة، إلى عبء عملياتي، ثم إلى غنيمة، ثم إلى دليل إدانة على فشل القيادة وسوء الإدارة وإهدار المال العام.

محيط حضري وموقع عسكري

لا يُعد وجود قاعدة مركزية بحد ذاته خطأً عسكريًا، غير أن الخطأ الجسيم تمثّل في استخدام منطقة الشجرة لتكون قاعدة تمركز قتالي أمامي للمدرعات داخل محيط حضري غير منسجم مع الأغراض العسكرية، ودون توزيع تكتيكي للمنصات، أو إنشاء عمق دفاعي، أو توفير وحدات احتياط متحركة ومناطق إخفاء بديلة.

هذا النمط يخالف مبادئ بقاء القوة المدرعة، ويحوّل مركز الثقل من عنصر قوة إلى نقطة شلل واستنزاف. وقد أظهرت الحرب عجز منظومة الإسناد المشترك للمدرعات في التعامل مع تهديدات المسيّرات الرخيصة والأسلحة المضادة للدروع المحمولة.

إن الدبابة، من حيث العقيدة، ليست منصة دفاع جوي، غير أن تحييد هذا التهديد ممكن نسبيًا عبر إجراءات منخفضة الكلفة تشمل: دمج المشاة، والانتشار اللامركزي، ووسائط الإنذار المبكر، والتشويش، والانضباط في الحركة والتمويه.

إن غياب هذه المنظومة يعكس جمودًا عقائديًا وفشلًا في تبنّي متطلبات حرب هجينة بين محيط حضري وموقع عسكري خطير.

إهمال مهني جسيم

أظهرت المواد المصوّرة المسربة دبابات من طرازات مختلفة منها T-72 وT-55، متروكة دون إجراءات تعطيل فني، وأتاح ذلك الاستيلاء على الدبابات أو استخدامها دعائيًا أو حتى عملياتيًا. ويُشار إلى أن مصطلح التعطيل الفني يعني تعطيل السلاح أو المعدّة تعطيلًا دائمًا أو شبه دائم لمنع العدو من استخدامها عند فقدان السيطرة عليها.

ووفق الأعراف العسكرية، يُعد ترك معدات عاملة دون تعطيل أو تدمير عند فقدان السيطرة إهمالًا مهنيًا جسيمًا.

كما كشفت المقاطع المصوّرة داخل قواعد محيط العاصمة عن دبابات بلا أطقم، ومعدات بلا صيانة، ومخازن مفتوحة، وورش متوقفة. ولا يمكن تفسير هذا المشهد بضغط المعركة وحده، بل يدل على انهيار منظومة القيادة والسيطرة، وغياب التخطيط المسبق للإخلاء أو التعطيل أو إعادة الانتشار.

حجم الخسائر وطبيعتها

تُشير التقديرات المفتوحة المصدر، المعتمدة على التتبع البصري والتحقق المتقاطع للمقاطع المصوّرة ومقارنتها بالقوام المعروف قبل الحرب، إلى فقدان عشرات الدبابات على الأقل، يُرجح أن عددها يتراوح بين 80 – 100 دبابة بين تدمير واستيلاء وخروج نهائي من الخدمة؛ لكن الرقم النهائي لا يمكن حسمه دون فتح سجلات الجيش رسميًا.

وتُشير التقديرات أيضاً إلى فقدان مئات المدرعات وناقلات الجنود ومركبات الدعم. وخرجت هذه المعدات من الخدمة دون أن تُستخدم عملياتيًا، ما حوّل جزءًا من قوة الدولة النظامية إلى مصدر تسليح لخصومها.

تشير هذه الخسائر إلى فشل القيادة الاستراتيجية في تقدير طبيعة الحرب، وإلى قرار تركيز السلاح الثقيل داخل المدن دون توزيع مرن أو عمق عملياتي، فضلًا عن انهيار منظومة القيادة والسيطرة وسوء تقدير قدرات الخصم وتطوره التكتيكي.

كما ساهم الإهمال المزمن قبل الحرب في مجالات الصيانة والتحديث والتأمين في تعظيم أثر الصدمة الأولى وتحويل القصور الفني إلى انهيار شامل.

تكلفة تقديرية للخسائر

ويقدر أقل سعر استبدال لدبابة قديمة بعد تحديث محدود بـ 2.5–3 ملايين دولار. وبهذا يمكن تقدير خسائر الدبابات (ما بين 80 و100 دبابة) بما يعادل 200–300 مليون دولار.

وتقدر خسائر ناقلات الجنود في سلاح المدرعات بـ 200–300 آلية، ويقدر سعر استبدالها بنحو 1.2  مليون دولار للآلية. بخسارة تقديرية تبلغ ما بين 180– 300 مليون دولار. كما تقدر خسائر مركبات الدعم والبنية اللوجستية، مثل الورش، والمخازن، ومعدات الدعم والذخائر، بما بين 50– 100 مليون دولار.

وبهذا يبلغ الإجمالي التقديري للخسائر المباشرة، ما بين 430–700 مليون دولار أمريكي، دون أن يشمل هذا التقدير أعلى تكلفة.

هذا فضلاً عن خسائر غير مباشرة مثل فقدان الجاهزية العملياتية، وضياع سنوات من التدريب، وتدمير البنية التحتية الفنية، وفقدان الثقة في منظومة القيادة والسيطرة، إضافة إلى الكلفة السياسية والأمنية لانكشاف العاصمة وانتقال السلاح الثقيل إلى الخصم.

تكلفة إعادة بناءالمنظومة

من المهم التمييز بين قيمة الخسارة وتكلفة إعادة بناء سلاح المدرعات، والأخيرة تعني إنشاء منظومة جديدة متكاملة. ويحتاج ذلك إلى قوة دبابات حديثة (لا تقل عن 120 دبابة) بواقع 4–6 ملايين دولار للدبابة في الخيار المتوسط، وبإجمالي يصل إلى ما بين 480–720 مليون دولار.

كما أن أسطول مدرعات وناقلات الجنود حديثة (يقدر بـنحو 300 آلية) بواقع 1.2 – 2 مليون دولار للآلية، يكلف ما بين 360–600 مليون دولار. وتكلف إعادة تأهيل البنية التحتية وأنظمة القيادة والسيطرة والتدريب والذخائر ما بين 200–300 مليون دولار.

تُظهر المعطيات الرقمية أن الخسائر المباشرة المؤكدة في سلاح المدرعات تتراوح بين 430 و700 مليون دولار أمريكي، في حين أن تكلفة الواقعية لإعادة البناء الشامل لمنظومة مدرعات فعّالة تتراوح بين 1.0 و1.6 مليار دولار أمريكي.

ويعكس الفارق الكبير بين الرقمين الثمن الحقيقي للفشل القيادي والإهمال المؤسسي.

البعد القانوني وحق المحاسبة

يمكن تكييف فقدان المدرعات من المنظور القانوني بأنه جريمة إهدار أو تبديد لأصول استراتيجية سيادية نتيجة الإهمال الجسيم، كما أن تغلغل الولاءات التنظيمية ذات الطابع الأيديولوجي داخل هيئة القيادة، ولا سيما ارتباطها بالحركة الإسلامية الإرهابية، أسهم في استبدال الكفاءة المهنية بالولاء الحزبي، وربط القرار العسكري بأجندة سياسية لا تضع حماية الأصول أو الأرواح في مقدمة الأولويات، ما أدى إلى إضعاف قيم الاحتراف والمهنية والمساءلة.

ومن ثم، فإن القيادة التي أخفقت في حماية أصول ممولة من المال العام، وأبقتها في مواقع مكشوفة دون

خطط إخلاء أو تعطيل فني، تكون قد أخلّت إخلالًا جسيمًا بواجبها الدستوري والمهني في حماية الدولة، بما يرقى إلى سوء إدارة فادح يستوجب مساءلة إدارية وربما جنائية.

لكل ذلك تبرز الضرورة الأخلاقية والوطنية لتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة (عسكرية – مدنية) لحصر الخسائر وتحديد المسؤوليات وفق معايير مهنية وقانونية.

 

صحيح السودان

What do you feel about this?