كيف كشفت العقوبات الغربية البنية الخفية للاقتصاد العسكري في السودان

1
war

كيف كشفت العقوبات الغربية البنية الخفية للاقتصاد العسكري في السودان

تحقيق استقصائي – مجاهد بشرى بلو نيوز

 

عندما أعلن جنوب السودان استقلاله في يوليو/تموز 2011، لم يخسر السودان ثلث مساحته فحسب، بل فقد المورد الذي شكّل لعقد كامل العمود الفقري لاقتصاده. فقد انتقلت معظم الحقول النفطية إلى الدولة الوليدة، وتراجعت الإيرادات العامة بصورة حادة، لتدخل الخرطوم واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية منذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989.

لم تكن تلك الأزمة مجرد أزمة مالية، بل أزمة بقاء بالنسبة للدولة. فالنظام الذي اعتمد لسنوات على عائدات النفط في تمويل الموازنة، ودعم العملة الوطنية، وتمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وجد نفسه فجأة أمام فراغ مالي هائل. وكان عليه أن يبحث بسرعة عن مورد قادر على تعويض النفط.

وقع الاختيار على الذهب.

لم يكن الذهب جديداً على السودان، لكنه لم يكن قد احتل بعد الموقع الذي سيصبح فيه لاحقاً. ومع تراجع النفط، تحوّل قطاع التعدين من قطاع اقتصادي واعد إلى مشروع دولة. أُعيد توجيه السياسات، وشُجعت عمليات الاستكشاف، وتوسعت أنشطة التعدين الأهلي، وبدأت الحكومة تتحدث عن الذهب بوصفه المورد الذي سيعيد بناء الاقتصاد.

في تلك السنوات، امتلأت الصحف الرسمية بتقارير عن “النهضة التعدينية”، وعن الاكتشافات الجديدة، وعن دخول السودان قائمة كبار المنتجين في إفريقيا. وأصبح الذهب يوصف بأنه “بديل النفط”، وهي العبارة التي ستتكرر على لسان الوزراء والمسؤولين طوال السنوات اللاحقة.

لكن خلف هذا الخطاب الاقتصادي، كانت بنية أخرى تتشكل بصمت.

 الذهب .. أكثر من مجرد مورد اقتصادي

تختلف الموارد الطبيعية في الدول المستقرة عنها في الدول التي تحكمها شبكات أمنية وعسكرية واسعة النفوذ. ففي الحالة الأولى، تتحول الموارد إلى ضرائب واستثمارات وخدمات عامة. أما في الحالة الثانية، فقد تتحول إلى مصدر مستقل للسلطة والتمويل.

في السودان، اكتسب الذهب أهمية استثنائية لسببين.

أولاً، لأنه مصدر سريع للنقد الأجنبي، يمكن تصديره فوراً وتحويله إلى عملات صعبة في وقت كانت فيه البلاد تعاني من نقص حاد في الدولار.

وثانياً، لأن تجارة الذهب أكثر مرونة من النفط. فالنفط يحتاج إلى خطوط أنابيب وموانئ واتفاقيات دولية معقدة، بينما يمكن نقل الذهب في شحنات صغيرة، وبيعه عبر وسطاء، وإعادة تصديره عبر مراكز تجارة عالمية مثل دبي وهونغ كونغ.

هذه الخصائص جعلت الذهب مورداً مثالياً لاقتصاد يعتمد على الشبكات التجارية والوسطاء والشركات الخاصة.

ولذلك، لم يعد السؤال هو: كم ينتج السودان من الذهب؟

بل أصبح: من يسيطر على الذهب؟

 من وزارة المعادن إلى الأمن القومي

بين عامي 2011 و2013، لم تعد وزارة المعادن مجرد وزارة خدمية. فقد أصبحت إحدى أهم مؤسسات الدولة من الناحية الاقتصادية، وبدأ مسؤولوها يتحدثون عن التعدين باعتباره القطاع الذي سيحمل الاقتصاد السوداني بعد فقدان النفط.

وفي يوليو/تموز 2013، نظمت الوزارة زيارة إعلامية واسعة إلى شركة أم درمان للتعدين في منطقة العبيدية بولاية نهر النيل.

لم تكن الزيارة عادية.

فقد اصطحب وزير المعادن آنذاك، كمال عبد اللطيف، عدداً من الصحفيين إلى موقع الإنتاج، وقدّم الشركة باعتبارها نموذجاً وطنياً ينبغي أن يراه السودانيون.

في التقرير الذي نشرته صحيفة المجهر بعد الزيارة، وصف الوزير الشركة بأنها:

“شركة سودانية (100%) لم يخالطها أي وجود أجنبي، حتى التمويل تم من بنك وطني وبتمويل سوداني وطني أصيل، والعاملون سودانيون.”

وأضاف أن الشركة تمثل نموذجاً لما يجب أن يكون عليه قطاع التعدين السوداني، مؤكداً أن الدولة تريد إبرازها للرأي العام كنموذج للنجاح الوطني.

كان الخطاب يحمل رسائل واضحة: لا وجود لرأس مال أجنبي، ولا إدارة أجنبية، ولا تمويل أجنبي. كل شيء “وطني”.

لكن هذا الوصف، الذي بدا آنذاك جزءاً من حملة للترويج لقطاع التعدين، سيكتسب بعد أكثر من عقد دلالة مختلفة تماماً، عندما تبدأ الحكومات الغربية في تفكيك الشبكات الاقتصادية التي تقف خلف هذا القطاع.

ستة عشر كيلوغراماً في اليوم، كشف التقرير الصحفي رقماً لافتاً.

فبحسب إدارة الشركة، كانت أم درمان للتعدين تنتج نحو 16 كيلوغراماً من الذهب الخالص يومي.

وفق أسعار الذهب في ذلك الوقت، كان ذلك يعادل مئات آلاف الدولارات يومياً، ما يجعل الشركة واحدة من أكبر منتجي الذهب في السودان.

كما أعلن مديرها العام، محمد عمر عبد السلام، أن الشركة بدأت الإنتاج عام 2009، وأن إنتاجها ارتفع من أول سبيكة وزنها 14 كيلوغراماً إلى مئات الكيلوغرامات سنوياً، مع خطط للوصول إلى أكثر من طن من الذهب.

لم يكن هذا مجرد مشروع تعدين ناجح، بل كان أصلاً اقتصادياً استراتيجياً في دولة فقدت المصدر الرئيسي لإيراداتها قبل عامين فقط.

ومن الطبيعي أن يثير ذلك سؤالاً أساسياً:

هل كانت هذه الثروة تُدار بالفعل كشركة تجارية مستقلة، أم أنها كانت جزءاً من بنية اقتصادية أكبر؟

في عام 2013، لم يكن هذا السؤال مطروحاً في المجال العام.

لكن بعد أكثر من عشر سنوات، ستبدأ وثائق العقوبات الأمريكية والبريطانية في تقديم إجابات مختلفة تماماً.

 بداية الخيط

عندما فرضت المملكة المتحدة في يوليو/تموز 2026 عقوبات على شركة أم درمان للتعدين، لم تصفها بأنها شركة خاصة، ولا حتى بأنها إحدى كبريات شركات التعدين في السودان.بل استخدمت وصفاً مختلفاً تماماً:

“شركة تعدين سودانية مملوكة للدولة، يُشتبه في أنها تولد عائدات من الذهب تدعم المجهود الحربي للقوات المسلحة السودانية.”

وفي الوقت نفسه، كانت وثائق أخرى تشير إلى أن الشركة نفسها تُعرَّف داخل RIDA Group بوصفها إحدى شركاتها التابعة، بينما كانت الولايات المتحدة تكشف شبكة موازية من شركات الواجهة والمشتريات العسكرية يقودها مسؤولون في منظومة الصناعات الدفاعية.

هل كانت هذه مجرد مصادفات؟

أم أن السنوات الخمس عشرة الماضية أخفت قصة مختلفة تماماً عن تلك التي رُويت للجمهور؟

 

 الجزء الثاني .. شركة أم درمان للتعدين.. من «النموذج الوطني» إلى قلب اقتصاد الحرب

في صباح أحد أيام يوليو/تموز 2013، اصطحب وزير المعادن السوداني آنذاك، كمال عبد اللطيف، عدداً من الصحفيين إلى منطقة العبيدية بولاية نهر النيل. لم تكن الزيارة مجرد جولة ميدانية، بل كانت حملة إعلامية منظمة لتقديم ما وصفته الحكومة حينها بأنه النموذج الذي سيقود الاقتصاد السوداني بعد فقدان النفط.

كان اسم الشركة التي اختيرت لتكون واجهة هذا المشروع هو شركة أم درمان للتعدين، في ذلك اليوم، وقف الوزير أمام الصحفيين ليعلن أن الشركة تمثل قصة نجاح سودانية خالصة.

قال إنها شركة “سودانية مائة بالمائة”، وإن تمويلها تم عبر بنك وطني، وإن العاملين فيها سودانيون، وإنها تمثل نموذجاً ينبغي أن يفتخر به السودانيون.

لم يكن أحد يتوقع أن الشركة نفسها ستظهر بعد ثلاثة عشر عاماً في بيان رسمي صادر عن الحكومة البريطانية، لكن ليس بوصفها نموذجاً للتنمية، وإنما بوصفها شركة تعدين مملوكة للدولة يُشتبه في أن عائدات الذهب التي تحققها تدعم المجهود الحربي للقوات المسلحة السودانية.

وهذا التناقض هو نقطة البداية.

شركة ولدت في لحظة حرجة

لفهم أهمية أم درمان للتعدين، لا بد من العودة إلى السياق الاقتصادي.

ففي عام 2013 كانت الحكومة السودانية تواجه أزمة غير مسبوقة بعد انفصال الجنوب.

انخفضت عائدات النفط بصورة حادة.

تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي.

بدأ الجنيه السوداني يفقد قيمته.

أصبحت الحكومة تبحث عن أي مصدر جديد للعملات الصعبة.

في تلك اللحظة، لم يعد الذهب مجرد معدن.

بل أصبح مشروع إنقاذ للدولة.

ولهذا السبب لم تكن وزارة المعادن تبحث فقط عن مستثمرين.

بل كانت تبحث عن نماذجيمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها دليل نجاح السياسة الجديدة.

واختارت أم درمان للتعدين لتكون هذا النموذج.

ستة عشر كيلوغراماً يومياً

ورد في التقرير الصحفي المنشور عقب الزيارة رقم يستحق التوقف.

قالت إدارة الشركة إن إنتاجها يبلغ:

16 كيلوغراماً من الذهب الخالص يومياً

لم يكن هذا رقماً عادياً.

ففي ذلك الوقت كانت غالبية شركات التعدين في السودان ما تزال في مراحل التطوير أو الإنتاج المحدود.

أما إنتاج ستة عشر كيلوغراماً يومياً، فيضع الشركة ضمن أكبر المنتجين في البلاد.

وقال المدير العام للشركة، **محمد عمر عبد السلام**، إن الشركة بدأت الإنتاج عام 2009، وإنها أنتجت أول سبيكة ذهب بوزن أربعة عشر كيلوغراماً، ثم ارتفع الإنتاج إلى مئات الكيلوغرامات سنوياً، مع خطة للوصول إلى أكثر من طن من الذهب.

هذه الأرقام تكشف أن أم درمان للتعدين لم تكن مشروعاً صغيراً، بل كانت أصلاً اقتصادياً استراتيجياً في مرحلة كانت الدولة تعتمد فيها على الذهب لتعويض خسائر النفط.

 التمويل الذي لم يكن تفصيلاً

ركز وزير المعادن في حديثه على نقطة بعينها.

قال إن تمويل الشركة تم بواسطة بنك أم درمان الوطني.

قد يبدو هذا التصريح عادياً إذا قُرئ بمعزل عن السياق.

لكن بعد أكثر من عقد، أصبح يحمل دلالة مختلفة.

فبنك أم درمان الوطني ليس مجرد مؤسسة مصرفية تجارية.

لقد تناولت تقارير ودراسات لاحقة هيكل ملكيته وعلاقته بالمؤسسة العسكرية السودانية، باعتباره أحد المكونات الرئيسية للشبكة الاقتصادية المرتبطة بها.

لذلك، فإن الإشارة إلى أن المشروع موِّل عبر هذا البنك لم تعد مجرد معلومة مالية، بل أصبحت جزءاً من شبكة أكبر تربط التمويل بالإنتاج.

“شركة سودانية 100%”

ربما كانت هذه العبارة أكثر ما تكرر في تصريحات وزير المعادن.

لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة.فالوزير لم يقل إنها شركة خاصة، ولم يقل إنها شركة حكومية.

بل قال إنها:

“شركة سودانية مائة بالمائة.”

هذه العبارة كانت تُستخدم في الخطاب الرسمي آنذاك للدلالة على غياب رأس المال الأجنبي. لكنها لا تجيب عن سؤال الملكية.

هل كانت مملوكة للدولة؟

هل كانت مملوكة لمجموعة خاصة؟

هل كانت مشروعاً مشتركاً؟

في عام 2013 لم يطرح أحد هذه الأسئلة.

أما اليوم، فإن الوثائق المتاحة تجعلها أسئلة أساسية.

الخيط الذي ظهر بعد عشر سنوات

خلال البحث في السجلات والمنشورات الحديثة، ظهر رابط لم يكن معروفاً في ذلك الوقت.

ففي منشور رسمي نشرته **RIDA Group** على منصة LinkedIn، قدمت المجموعة شركة **Omdurman Mining** باعتبارها:

“شركة تابعة لمجموعة رضا.”

ولم يكن هذا مجرد ذكر عابر.

فالموقع الرسمي للمجموعة يعرض أم درمان للتعدين ضمن شركاته، إلى جانب شركات أخرى تعمل في التعدين والخدمات المعدنية والهندسة والاستكشاف.

وهنا تبدأ الصورة في التعقيد.

إذا كانت أم درمان للتعدين شركة تابعة لـRIDA Group، فلماذا وصفتها الحكومة البريطانية لاحقاً بأنها شركة تعدين مملوكة للدولة؟

هل تغيرت الملكية؟

هل كانت المجموعة تدير الشركة نيابة عن جهة أخرى؟

هل كانت هناك إعادة هيكلة لم تُعلن للرأي العام؟

حتى الآن، لا توجد وثيقة عامة تجيب بصورة قاطعة عن هذه الأسئلة.

لكن وجود الوصفين معاً—وصف RIDA ووصف الحكومة البريطانية—يكشف أن قصة الشركة أكثر تعقيداً بكثير من الرواية التي قُدمت في 2013.

العقوبات تغير الرواية

في السادس عشر من يوليو/تموز 2026، أعلنت الحكومة البريطانية حزمة عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب في السودان.

ولم تقتصر القائمة على رجال أعمال أو وسطاء.

بل ضمت ثلاثاً من أهم شركات الذهب في البلاد:

  • أم درمان للتعدين.
  • أرياب.
  • سودامين.

وفيما يتعلق بأم درمان للتعدين، جاء الوصف البريطاني واضحاً:

“شركة تعدين سودانية مملوكة للدولة، يُشتبه في أنها تولد عائدات من الذهب تدعم المجهود الحربي للقوات المسلحة السودانية.”

هذا الوصف يختلف جذرياً عن الصورة التي رُسمت للشركة في 2013.

فبدلاً من أن تكون رمزاً للتنمية الاقتصادية، أصبحت في نظر الحكومة البريطانية جزءاً من البنية المالية التي تُبقي الحرب مستمرة.

ولم تكن هذه نهاية القصة.

بل بدا أنها بداية كشف شبكة أكبر.

سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله

إذا كانت أم درمان للتعدين مجرد شركة تعدين، فلماذا أصبحت هدفاً مباشراً للعقوبات الغربية؟

ولماذا لم تستهدف بريطانيا مناجم الذهب كلها، بل اختارت شركات بعينها؟

ولماذا ظهرت إلى جانبها شركات مثل أرياب وسودامين؟

الإجابة تبدأ بالظهور عندما نغادر المناجم، ونتجه إلى الشركات القابضة، والبنوك، وشركات الواجهة، ومنظومة الصناعات الدفاعية.

هناك فقط تبدأ ملامح الشبكة في الظهور.

What do you feel about this?