نجم الدين سراج: بعد ست سنوات من الحرمان: جرس امتحانات الشهادة السودانية يقرع في نيالا البحير.

1
edc

نجم الدين سراج

تصدرت صورة لطالبة من مدرسة الوحدة الثانوية بنات بولاية جنوب دارفور وهي تجلس لامتحان الشهادة السودانية وسائط التواصل الاجتماعي اليوم. دامعة العينين كانت، تبكي حرمان سنوات من فرصة الجلوس للامتحان. كانت دموع الفرح على وجهها تحكي وجع انتظار طويل تخللته الأحزان، مثلما تحكي عن الرضا ساعة تحقيق الأحلام. فكانت صورتها عنواناً لنهضة الهامش في وجه الطغاة، وصدق الشابي حين قال:(إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر).

هي طالبة واحدة من جملة الآلاف، ممن أوقعت عليهم الحركة الإسلامية المتحكمة في قرار سلطة بورتسودان عقاباً جماعياً، فنالت منه نصيبها بسبب موقعها الجغرافي كمواطنة من غرب السودان، تصادف وجودها في ذلك الجزء من العالم، خارج مناطق سيطرة الجيش.

وبما أن كل شيء يكون كل شيء مختلفاً عندما يكون خصمك هو الحركة الإسلامية الإرهابية، والتي لا تدخر في حربها مع السودانيين خسة ولا أذية، فقد عمدت لحرمان المواطنين خارج مناطق سيطرتها من الغذاء والدواء والتعليم والعلاج، وسرقت المساعدات الإنسانية المرسلة لهم لتبيعها في أسواق بورتسودان، وضربتهم بالطيران والسلاح الكيميائي المحرم، والمسيرات الإيرانية والتركية، وظن الإخوان أنهم قادرين على إخضاع غرب السودان، عبر الجرائم والإبادات الجماعية ليخلوا لهم وجه السلطة في كامل البلاد، عن طريق القوة العسكرية.

وللأسف فقد كان أول ما استهلت به الحركة الإسلامية حربها ضد السودانيين والتي دخلت عامها الرابع، أن وجهت غرفها الإعلامية لتبث خطاب الكراهية ضد إثنيات غرب السودان على نطاق واسع، وعلا صوت موتوريها المستأجرين من الغرف الإعلامية المدفوعة، فنادوا بقصف الجسور والمرافق الحيوية كتمهيد لدكها بواسطة الطيران المصري، وما لبثوا أن نادوا صراحة بقصف المدنيين بالطيران وموارد المياه، ولم تسلم من دعواهم تلك حتى البهائم. وولغت الحركة الإجرامية في دماء السودانيين دون أن تجد لعطشها ارتواء، ولا شفيت نفوس عضويتها من ذلك الحقد المزمن، والقديم.

في فيديو تم تصويره في سهول كردفان وتم بثه على الوسائط سأل جندي من الجيش عابر سبيل عن الجهة التي أتى منها، فقال له عابر السبيل:(أنا قادم من الدبب) وعندها صاح الجندي في سعادة بالغة (الله أكبر .. ظهر الحق)، واعتقله في ساعته كأسير حرب.

وسرعان ما تنكرت سلطة بورتسودان لموظفيها في كردفان ودارفور بإيعاز من الحركة الإسلامية، فمنعت عنهم المرتبات، واشترطت على بعض أساتذة الجامعات مغادرة البلاد لاستلام رواتبهم في الجارة تشاد! ومنعت الأوراق الثبوتية على المواطنين خارج مناطق سيطرة الجيش، بل ومنعت تجديد المستخرج منها من تلك المناطق، وسنت قانون الوجوه الغريبة في مناطق سيطرتها لتعتقل وتعذب وتقتل على السحنة والإثنية والجهة.

حكمت محكمة على طالب بالإعدام بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، حينما انتقل لمناطق سيطرة الجيش بحثاً عن فرصة للامتحان! وبينت الحركة الإسلامية أنها جادة في تنفيذ عقابها الجماعي المحرم دولياً على المواطنين في كامل غرب البلاد.

لكن كان لهذا العقاب الجماعي الفضل الأكبر في توحيد قوى الهامش العسكرية والمدنية للوقوف بوجه غول الإخوان الغاضب والجريح، والذي – ولأول مرة – يواجه وضعاً يعجز عن السيطرة عليه. خاصة بعد التوقيع على ميثاق السودان التأسيسي، وإجازة دستور السودان الانتقالي من قبل تحالف السودان التأسيسي، وتشكيل الحكومة ذات التحديات الأكبر على الإطلاق، في توفير الحماية والغذاء والخدمات للمواطنين، وفي مناطق سيطرتها الواسعة والتي تمثل أكثر من نصف مساحة البلاد، وبكثافة سكانية هي أعلى بكثير، من تلك الواقعة في مناطق سيطرة الجيش، رغم النزوح واللجوء.

ولذا يعتبر انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة السلام اليوم بمثابة انتصار لقوى الهامش العريض، التي شرعت في انتزاع حق مواطنيها في الحماية والتعليم والعلاج والأوراق الثبوتية والعملة والحسابات المصرفية، تصنعها بيدها دون انتظار هبة ولا إذن من أحد، وهي بالطبع خطوة علي طريق طويل لانتزاع الحقوق، وهزيمة الحركة الإسلامية.

إن فرحة الطلاب والطالبات والمعلمات والمعلمين في مراكز الامتحانات في محليات كردفان ودارفور بتحقيق الحلم بعد ست سنوات من الحرمان، هو حافز كبير لحكومة السلام من أجل إكمال هياكلها وتحسين أداءها لخدمة الناس وتوفير احتياجاتهم. أما الصراع مع الحركة الإسلامية فسيطول، وقد تتعدد أشكاله، وعلى الهامش أن يمضي في بناء مؤسساته التي لا تنشغل سوى بخدمة المواطنين، والتصدي العسكري لعصابة الحركة الإجرامية.

What do you feel about this?