بدعم إيراني: الحرب تعيد الإسلاميين إلى واجهة السلطة في السودان والبرهان عالق بين ضغوط واشنطن ونفوذ طهران
في خضم الحرب السودانية المتفاقمة، لم تعد المعركة مجرد صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة معقدة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية مع عودة الإسلاميين إلى قلب المشهد العسكري والسياسي. وبينما يعتمد الجيش على الجماعات الإسلامية المسلحة لتحقيق مكاسب ميدانية، تتزايد الضغوط الأمريكية والإقليمية لاحتواء نفوذها، في معادلة تكشف عمق الأزمة التي يعيشها السودان وخطورة المسارات التي تتشكل تحت دخان الحرب.
تقارير: وكالات – بلو نيوز
في حرب تتبدل فيها التحالفات بوتيرة تفوق قدرة الدولة على احتوائها، برز الدور المتصاعد للمجموعات الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش السوداني كأحد أخطر التحولات في المشهد السوداني، خاصة بعد أن أعادت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران تسليط الضوء على النفوذ المتنامي لهذه الجماعات، التي كانت حتى وقت قريب جزءاً من إرث نظام الرئيس المعزول عمر البشير.
ورغم انشغال المجتمع الدولي بالانتهاكات الواسعة المنسوبة إلى قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، ظل الحضور المتزايد للميليشيات الإسلامية التي تقاتل في الخطوط الأمامية أقل تناولاً، رغم تأثيره العميق على موازين الحرب وقدرة الجيش السوداني على الحفاظ على تماسكه العسكري والسياسي.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة بين جيش نظامي وقوة متمردة، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الدولية والإقليمية، مع عودة شبكات النفوذ القديمة إلى الواجهة. فبالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات، باتت مواجهة النفوذ الإيراني وكبح تمدد جماعة الإخوان المسلمين السودانية جزءاً من معادلة أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام مأزق معقد؛ إذ يعتمد ميدانياً على الإسلاميين في إدارة المعارك، بينما يحاول سياسياً إقناع المجتمع الدولي بأن نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية ما يزال محدوداً.
“لم تعد الجماعات الإسلامية في السودان مجرد امتداد لإرث النظام السابق، بل تحولت إلى قوة عسكرية مؤثرة داخل معادلة الحرب، يعتمد عليها الجيش ميدانياً رغم الضغوط الدولية المتزايدة لعزلها. وبين حاجة البرهان إلى قوتها القتالية ومخاوف الخارج من تمدد نفوذها المدعوم إيرانياً، تبدو الخرطوم عالقة في صراع يتجاوز حدود السودان إلى حسابات البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية.”
ويقول الخبير السوداني في حل النزاعات سليمان بلدو إن البرهان “لم يتمكن بعد من بناء بديل لهم”، مشيراً إلى أن محاولات إبعاد بعض الضباط المحسوبين على الحركة الإسلامية لم تغيّر حقيقة اعتماد الجيش عليهم، وهو ما يعكس تناقضاً بين متطلبات الحرب وضغوط الشرعية الدولية.
ومع اندلاع الحرب في عام 2023، عادت إيران إلى المشهد السوداني عبر دعم القوات المسلحة السودانية بالذخائر والطائرات المسيّرة من طراز “مهاجر-6”، منهيةً بذلك فترة انقطاع استمرت ثماني سنوات، كانت خلالها السعودية صاحبة النفوذ الأبرز في الخرطوم.
ورغم انضمام مجموعات مسلحة ومقاتلين جدد إلى صفوف الجيش، بما في ذلك متمردون سابقون من دارفور ومليشيات محلية، ظلت الكتائب الإسلامية الأكثر تنظيماً وتسليحاً وتأثيراً على مسار المعارك.
ومن أبرز هذه التشكيلات كتيبة “البراء بن مالك”، المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، والتي جرى دمجها رسمياً داخل الجيش السوداني. وتشير تقديرات إلى مشاركة نحو عشرين ألفاً من مقاتليها في العمليات العسكرية التي انتهت باستعادة الخرطوم، بعد أشهر من الدمار والنهب خلال سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة.
وفي المقابل، اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية الكتيبة بعرقلة جهود وقف إطلاق النار، مشيرة إلى تلقيها تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما دفع واشنطن لاحقاً إلى فرض عقوبات عليها ضمن سياسة أوسع تستهدف تقليص نفوذ الإسلاميين داخل المشهد السوداني.
ويقول ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية السودانية إن “أي محاولة للمساس بهذه المجموعات ستقابل بردة فعل”، مضيفاً أن الحفاظ على تماسك التحالفات المقاتلة يمثل “أفضل أمل لاستقرار السودان” قبل أي انتقال سياسي محتمل، في إشارة إلى حجم اعتماد الجيش على هذه القوى في إدارة الحرب.
لكن هذا الاعتماد يضع البرهان في مواجهة ضغوط دولية متصاعدة، خاصة بعد تصنيف الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين السودانية “منظمة إرهابية عالمية”، على خلفية اتهامات بالمساهمة في إطالة أمد الحرب بدعم من إيران.
“أعادت الحرب السودانية الإسلاميين إلى قلب المشهد العسكري والسياسي، بعدما فشلت الحكومات الانتقالية في تفكيك شبكات نفوذهم داخل مؤسسات الدولة. ومع تصاعد دور كتائب عقائدية مثل “البراء بن مالك” واتساع الاتهامات الأمريكية بارتباطها بإيران، باتت الحرب تمثل اختباراً معقداً بين ضرورات المعركة ومخاطر إعادة إنتاج نظام ما قبل سقوط البشير.”
وجاء القرار الأمريكي عقب تصريحات للقيادي الإسلامي الناجي عبد الله دعا فيها إلى الاصطفاف مع طهران، الأمر الذي دفع السلطات السودانية إلى اعتقاله لفترة قصيرة، في محاولة لاحتواء الغضب الإقليمي وطمأنة الحلفاء، وعلى رأسهم السعودية.
كما فرضت واشنطن عقوبات على كتيبة البراء بن مالك، في خطوة لعبت فيها الإمارات العربية المتحدة دوراً مؤثراً، انطلاقاً من مخاوفها من تصاعد نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية السودانية وما قد يمثله ذلك من تهديد للاستقرار الإقليمي.
ويعيد هذا التوتر إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الشكوك بين الولايات المتحدة والحركة الإسلامية السودانية، يعود إلى انقلاب عام 1989 الذي أوصل البشير إلى السلطة، وما أعقبه من استضافة الخرطوم لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وشخصيات مصنفة معادية لواشنطن.
ورغم محاولات الحكومة الانتقالية التي أعقبت سقوط البشير تفكيك نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسات الأمنية، فإن ضعف الدولة وضيق الوقت حالا دون إعادة بناء الجيش أو تفكيك المليشيات المسلحة، لتعود هذه الشبكات مجدداً إلى قلب المشهد مع اندلاع الحرب الحالية.
وفي المقابل، يثير الموقف الأمريكي تساؤلات واسعة داخل السودان، خاصة مع تصنيف الإسلاميين كإرهابيين دون اتخاذ خطوة مماثلة تجاه قوات الدعم السريع، رغم الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم واسعة النطاق وعمليات إبادة جماعية في دارفور.
ويقول أمجد فريد الطيب إن الحرب بالنسبة لكثير من السودانيين “هي حرب وجودية دفاعاً عن وحدة البلاد، سواء كانوا إسلاميين أم لا”، مشيراً إلى أن قيادات بارزة داخل قوات الدعم السريع كانت هي الأخرى جزءاً من النظام الإسلامي السابق.
لكن هذا التبرير لا يبدد المخاوف المتزايدة من أن يؤدي تنامي نفوذ رموز النظام السابق إلى إعادة إنتاج نموذج سلطوي جديد، خاصة مع اعتماد الجيش المتزايد على مجموعات متهمة بانتهاكات ومرتبطة بأجندات أيديولوجية.
وفي هذا السياق، يقول رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك إن السودانيين “ليسوا مضطرين للاختيار بين شر وآخر”، متسائلاً: “هل يمكن أن نتسامح مع من كانوا يقطعون رؤوس الناس أكثر من أولئك الذين كانوا يحرقونهم بسبب هويتهم؟”.
وفي ختام المشهد، تبدو عبارة سليمان بلدو الأكثر تعبيراً عن واقع السودان اليوم: “لا توجد خيارات سهلة إنه الاختيار بين السيئ والأسوأ”، وهي خلاصة تلخص مأساة بلد يقف على حافة الانهيار، بينما تتصارع فوق أرضه حسابات القوى المحلية والإقليمية والدولية، في وقت تبقى فيه معاناة السودانيين أبعد ما تكون عن أولويات تلك الصراعات.
