الحدود الشرقية الملتهبة .. تساؤلات حول قدرة الجيش على التصدي لـ“حرب المسيّرات”
تكشف التحركات العسكرية الأخيرة على الحدود السودانية الإثيوبية حجم القلق المتصاعد من تهديد الطائرات المسيّرة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الجيش على حماية مجاله الجوي وحدوده الشرقية في ظل تدهور قدراته الدفاعية وتوسع الحرب التقنية. وبين اتهامات سياسية متبادلة وواقع عسكري مأزوم، تبدو المعركة أكثر تعقيداً من مجرد انتشار ميداني.
تقرير: الخرطوم – بلو نيوز
في تطور يعكس تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الصراع السوداني مع حسابات الجوار، دفعت سلطة الأمر الواقع في السودان بتعزيزات عسكرية ومنظومات دفاع جوي نحو الحدود الشرقية، على خلفية اتهامات مباشرة لإثيوبيا والإمارات بالتورط في هجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت مطار الخرطوم ومواقع استراتيجية أخرى مطلع مايو الجاري.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ في السابع من مايو، تحدث عن نشر أنظمة دفاع جوي وقوات برية قرب الحدود الإثيوبية في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على احتمال انتقال الأزمة السودانية من حرب داخلية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
ورغم النفي القاطع الصادر من أديس أبابا وأبوظبي، فإن السؤال العسكري الأكثر اهمية يبقى مطروحاً – (هل يمتلك الجيش فعلياً القدرة التقنية والعملياتية لتأمين حدوده الطويلة في عصر باتت فيه الطائرات المسيّرة اللاعب الأخطر في الحروب الحديثة؟)
جغرافيا معقدة وحدود مفتوحة
يمثل العامل الجغرافي أولى العقبات أمام أي محاولة لتأمين الحدود الشرقية. فالحدود السودانية الإثيوبية تمتد عبر نطاق واسع ومتداخل، يضم سهول الفشقة، وجبال النيل الأزرق، والأودية والمناطق الوعرة، وصولاً إلى المرتفعات الإثيوبية التي توفر غطاءً طبيعياً للمتحركات العسكرية والطائرات منخفضة الارتفاع. هذا الواقع يفرض تحديات هائلة على أي منظومة دفاع جوي، خاصة في ظل الحاجة إلى شبكات رادارية متطورة قادرة على كشف الأهداف الصغيرة والمنخفضة، وهي تقنية تتأثر فعاليتها بالتضاريس الجبلية والغطاء النباتي الكثيف الذي يخلق ما يعرف عسكرياً بـ”المناطق العمياء” ويرى خبراء أن تأمين هذه الحدود يتطلب منظومة إنذار مبكر متكاملة وربطاً شبكياً متطوراً بين الرادارات ووحدات الاعتراض، وهي قدرات تبدو بعيدة عن الواقع الحالي للقوات السودانية.
دفاع جوي قديم في مواجهة حرب حديثة
بحسب مؤشرات التصنيف العسكري العالمية لعام 2026، يعاني سلاح الجو التابع للجيش من فجوة تقنية واضحة، إذ يعتمد على أسطول جوي قديم يضم مقاتلات من طراز “ميغ-29” و”سوخوي-25” وطائرات صينية تعود في معظمها إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ورغم أن هذه الطائرات صممت أساساً للمعارك الجوية التقليدية، فإنها لا توفر فعالية حقيقية في مواجهة المسيّرات الصغيرة أو أسراب الطائرات الانتحارية التي أصبحت سمة رئيسية في النزاعات الحديثة. أما أنظمة الدفاع الجوي الأرضية، فيعتمد الجيش على منظومات سوفيتية وصينية قديمة مثل “سام” و”شيلكا”، وهي أنظمة صممت للتعامل مع أهداف كبيرة وعالية الارتفاع، وتفتقر إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستجابة السريعة المطلوبة لاعتراض المسيّرات الحديثة.
ورغم محاولات تحديث الترسانة بمنظومات صينية من سلسلة “HQ”، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة في ظل غياب منظومة قيادة وتحكم متكاملة، فضلاً عن ضعف قدرات الحرب الإلكترونية والرصد المبكر.
المسيّرات تغيّر قواعد الحرب
الهجمات الأخيرة على مطار الخرطوم أعادت تسليط الضوء على هشاشة المظلة الدفاعية للجيش، بعدما فشلت أنظمة الرصد والاعتراض في التصدي لسلسلة من الهجمات التي استهدفت العمق الاستراتيجي للبلاد خلال العامين الماضيين. وتشير تقارير حقوقية إلى مقتل أكثر من 500 مدني بين يناير ومارس 2026 فقط نتيجة هجمات بالطائرات المسيّرة، في مؤشر خطير على اتساع نطاق استخدام هذا السلاح وتأثيره المباشر على المدنيين والبنية التحتية. كما كشفت مصادر مفتوحة عن امتلاك قوات الدعم السريع لأنظمة مسيّرة متطورة، إلى جانب قدرات تشويش إلكتروني ومنظومات دفاع جوي متحركة، الأمر الذي غيّر ميزان المعركة التقليدية، وأضعف فاعلية التفوق الجوي الذي كان يمثل أحد أبرز أدوات الجيش السوداني.
ويصف مراقبون المسيّرات بأنها “سلاح الفقراء” الذي أعاد تعريف الحروب الحديثة، بعدما أصبحت قادرة على ضرب أهداف استراتيجية بكلفة منخفضة وقدرة عالية على المناورة والتخفي.
اتهامات بلا أدلة
ورغم التصعيد السياسي واتهامات الجيش لإثيوبيا والإمارات، فإن الأزمة لا تزال تفتقر إلى أدلة تقنية معلنة تثبت مصدر الهجمات بشكل قاطع. ففي الحروب الحديثة لم يعد تحديد مصدر المسيّرات أمراً سهلاً، إذ يمكن إطلاقها من منصات متنقلة أو مناطق حدودية نائية، كما أن تعقب “البصمة الرقمية” للطائرات يتطلب قدرات استخباراتية وإلكترونية متقدمة، وهي إمكانيات تواجه تحديات كبيرة في ظل الحرب والاستنزاف الاقتصادي الذي تعانيه الدولة السودانية.
ويرى محللون أن غياب الأدلة الفنية المعلنة يضعف الموقف القانوني والسياسي للجيش أمام المجتمع الدولي ويجعل الاتهامات أقرب إلى التصعيد السياسي منها إلى ملف متكامل يمكن البناء عليه دبلوماسياً أو عسكرياً.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحدود الشرقية للسودان أمام اختبار بالغ التعقيد، حيث تتقاطع الجغرافيا الصعبة مع التكنولوجيا العسكرية الحديثة، بينما يظل السؤال مفتوحاً: هل يستطيع الجيش حماية أجوائه وحدوده في حرب أصبحت فيها المسيّرات سلاحاً حاسماً يتجاوز قدرات الجيوش التقليدية؟
