معركة واشنطن ضد الإرهاب .. تفكيك نفوذ الإخوان في السودان وكبح التمدد الإيراني

1
isla

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى ساحة اشتباك إقليمي مفتوح، بعد تصاعد المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران، وتحرك واشنطن لتفكيك شبكات طهران في السودان، وسط ضغوط متزايدة لفرض تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد رسم موازين القوى.

وكالات – بلو نيوز

بعد المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الحرب في السودان لم تعد مجرد أزمة إنسانية أو صراع على السلطة بين “الجيش السوداني” الذي تسيطر عليه جماعة “الإخوان المسلمين” و”قوات الدعم السريع”، بل تحولت إلى ساحة فاعلة في الصراع الإقليمي الأوسع بين أميركا وإسرائيل وإيران.

“واشنطن انتقلت من سياسة الاحتواء إلى تفكيك شبكات النفوذ الإيراني في السودان، عبر أدوات أمنية واقتصادية ودبلوماسية تستهدف خطوط الإمداد والتحالفات المرتبطة بطهران داخل البلاد.”

مؤخراً، انتقلت الولايات المتحدة الأميركية من سياسة الاحتواء السلبي للنفوذ الإيراني في السودان، إلى التفكيك النشط لشبكاتها، وترى واشنطن أن وصول إيران إلى ساحل البحر الأحمر عبر السودان يمثل تهديداً استراتيجياً لحلفائها وخطوط التجارة العالمية، في ظل الهشاشة التي تشهدها الدولة في السودان بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع بين “قوات الدعم السريع” و”الجيش السوداني”.

قطع شرايين الإمداد التي تغذي الحرب

في تطور أمني لافت، أوقفت السلطات الأميركية في مطار لوس أنجلوس في 19 نيسان/أبريل الجاري المواطنة الإيرانية “شميم مافي” 44 عاماً، التي تحمل الإقامة الدائمة في أميركا منذ العام 2016، للاشتباه في تورطها في إدارة شبكة معقدة لتزويد “الجيش السوداني” بترسانة عسكرية إيرانية الصنع، وبحسب ما أعلنه المساعد الأول للمدعي العام الأميركي بيلي إيسيلي، فإن التهم الموجهة لـ”مافي” تشمل التوسط في صفقات ضخمة لبيع طائرات مسيّرة من طراز “مهاجر6″، وقنابل، وصمامات تفجير، بالإضافة إلى ملايين الذخائر المتنوعة.

“اعتقال المواطنة الإيرانية شميم مافي في الولايات المتحدة أعاد تسليط الضوء على شبكات تهريب السلاح، وكشف عن مسارات معقدة لتزويد الجيش السوداني بمعدات عسكرية إيرانية.”

لا ينظر المراقبون إلى هذا الاعتقال كواقعة جنائية فردية، بل كرأس جبل الجليد الذي يكشف عن تحول استراتيجي عميق في خارطة التحالفات الإقليمية. إذ يعكس هذا التطور تنامي النفوذ الإيراني في السودان، وما يتبعه من تداعيات أمنية كبرى قد تقلب موازين القوى في منطقة البحر الأحمر الحيوية، وتلقي بظلالها على أمن القرن الإفريقي المتوتر أصلاً.

لذلك لم تقتصر واشنطن على استهداف إيران والسودان بشكل مباشر، بل مارست ضغوطاً على دول أخرى لتقليص دعمها “للجيش السوداني”، وكشفت تقارير عن اتساع نطاق الضغوط الأميركية الرامية لتحجيم القدرات العسكرية “للجيش السوداني”، إذ لم تكتفِ واشنطن باستهداف قنوات الإمداد المباشرة من إيران، بل امتدت تحركاتها لتشمل ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة على دول حليفة.

“تزايدت المخاوف الدولية من استخدام موانئ بورتسودان وسواكن كممرات لوجستية لنقل السلاح، ما يضع الساحل السوداني في قلب معادلة الأمن البحري الإقليمي والدولي.”

وفي هذا السياق، أقدمت باكستان على خطوة مفاجئة بإلغاء صفقة أسلحة ضخمة مع الخرطوم تقدر قيمتها بـ 1.5 مليار دولار، بحسب ما أوردته وكالة “رويترز”، وذلك استجابة لطلب سعودي جاء في إطار تنسيق عالي المستوى مع الولايات المتحدة الأميركية، مدفوعاً بمخاوف مشتركة من تنامي التعاون العسكري بين السودان وإيران.

وسلطت عدد من التقارير الدولية الضوء على تحول السودان إلى “مركز لوجستي”، حيوي ضمن شبكات التهريب الإيرانية العابرة للحدود، وفي هذا الصدد، كشف تقرير عن مركز “هورن ريفيو”، المتخصص في الشؤون السياسية والدبلوماسية والأمن في منطقة القرن الإفريقي، عن ملامح شبكة إمداد منظمة، تتخذ من موانئ بورتسودان وسواكن نقطة انطلاق لنقل الأسلحة والعتاد إلى جماعة “الحوثي” في اليمن عبر الأراضي الإريترية.

تُظهر المقاربة الأميركية الجديدة تجاه النفوذ الإيراني في السودان مزيجاً من الأدوات، والضغط الدبلوماسي متعدد الأطراف، والرقابة المالية والاستخباراتية في تتبع الشبكات، لكن فعالية هذه المقاربة ستظل مرهونة مع الفاعلين الإقليميين وتقاطعات المصالح.

وفي الإطار ذاته، أكدت صحيفة “إسرائيل هيوم”، أن طهران باتت تعتمد بشكل متزايد على مدينة بورتسودان كأحد الشرايين الرئيسية لعملياتها اللوجستية في المنطقة. وأشار التقرير إلى أن هذه العمليات تجري بتنسيق ودعم من وحدات داخل “الجيش السوداني” مرتبطة بالمحور الإيراني، مما يعزز المخاوف من تحول الساحل السوداني إلى منصة لزعزعة الاستقرار الإقليمي وتوسيع نفوذ طهران في الممرات المائية الحساسة.

خريطة العقوبات المستهدفة

بنظرة سريعة لأدوات أميركا لكبح جماح النفوذ الإيراني في السودان، تبنت واشنطن استراتيجية عقوبات متعددة المستويات تستهدف النسيج الكامل للعلاقة الإيرانية السودانية، ففي 12 أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت “وزارة الخزانة الأميركية” فرض عقوبات على وزير المالية السوداني ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، ولواء البراء بن مالك أحد الأذرع العسكرية لجماعة “الإخوان المسلمين” في السودان، بموجب أمر تنفيذي. كما صنفت “وزارة الخارجية الأميركية” في آذار/مارس 2026، جماعة “الإخوان” بالسودان التي تعرف بـ”الحركة الإسلامية” منظمة إرهابية عالمية.

تصنيف “الإخوان” منظمة إرهابية يحمل تداعيات قانونية ومالية كبيرة، إذ يفرض عقوبات اقتصادية تشمل تجميد الأصول ويجرم أي دعم مالي لها، ويسمح بتجميد الأصول المرتبطة بالجماعة أو أفرادها، ويفرض قيوداً على السفر والتعاملات المالية المرتبطة بهم.

أما الإجراءات المتوقعة فتشمل حل الجمعيات والمنظمات المرتبطة بالجماعة، تجميد الحسابات والأصول داخل السودان وخارجه، علاوة على فتح تحقيقات وملاحقات قضائية بحق قيادات وأعضاء، وتشديد الرقابة على التمويل والأنشطة السياسية للجماعة.

لكن العقوبات لم تقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى شبكات الوساطة العابرة للحدود، كقضية الإيرانية شميم التي تظهر أن واشنطن لا تستهدف السودان وإيران فقط، بل شبكات التهريب الدولية التي تعمل في دول ثالثة مثل سلطنة عمان، حيث أسست “مافي” شركة تحت اسم “أطلس إنترناشونال بيزنس”، استُخدمت كواجهة لتمرير صفقات الأسلحة والذخائر، وتلقت الشركة مدفوعات تجاوزت سبعة ملايين دولار خلال عام 2025 وحده.

سيناريوهات محتملة بعد تصنيف “الإخوان”

وفي حديثه لـ “الحل نت“، يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أبو عبيدة برغوث، أن أميركا تدرك خطورة النفوذ الإيراني في السودان، لكونه تخطى مسألة التعاون إلى تعاون استراتيجي مصيري بالنسبة “للإخوان” في السودان، لذلك عملت على اتخاذ خطوات عملية بتصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي حتى تتمكن من محاصرته اقتصادياً، وعسكرياً.

“الولايات المتحدة وسعت دائرة العقوبات لتشمل شخصيات سياسية وعسكرية وشبكات تمويل، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ القوى التي تغذي استمرار الحرب السودانية.”

ويرى برغوث أن واشنطن على استعداد للتدخل عسكرياً، سواء بشكل مباشر أو عبر طريق طرف ثالث في ظل السياسة التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب، وفي حال فشل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، واعتبر أن هذا الأمر بات واقعاً، إلا أن الولايات المتحدة مازالت تعمل مع بعض الدول في المنطقة داعمة لقائد “الجيش السوداني” الفريق أول عبد الفتاح البرهان للضغط عليه بغية الوصول إلى تسوية سياسية تنهي سيطرة “الإخوان” على الجيش والسلطة.

على المسار الدبلوماسي، تقود الولايات المتحدة تحركاً مكثفاً ضمن آلية “الرباعية”، التي تضم السعودية، والإمارات ومصر، لفرض واقع سياسي جديد في السودان، وكانت هذه المجموعة قد طرحت في أيلول/سبتمبر 2025، خارطة طريق شاملة من خمسة مبادئ تبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر، تمهد لوقف دائم للعمليات العسكرية، وصولاً إلى عملية سياسية مدتها تسعة أشهر تنتهي بنقل السلطة للمدنيين، مع رفض أي دور للمجموعات المرتبطة بـ”الإخوان” في المرحلة الانتقالية.

“الآلية الرباعية التي تضم واشنطن وحلفاءها تدفع نحو هدنة إنسانية ثم وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي يقود إلى سلطة مدنية جديدة.”

إلا أن هذا المسار الدبلوماسي الذي يضطلع به كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بوليس، يصطدم بجدار من التعقيدات الميدانية والسياسية، إذ تكمن العقبة الكبرى في تغلغل “الإخوان” وكتائبهم العسكرية المدعومين من إيران داخل البنية الداعمة “للجيش السوداني” بشكل واسع. هذا التشابك يجعل من أي تسوية سياسية مرتقبة رهينة بمدى القدرة على فك العلاقة العضوية بين “الجيش السوداني” و”الإخوان” وتفكيك الدعم والنفوذ الإيراني أو مواجهتهم بشكل مباشر، الأمر الذي يضع “الرباعية” أمام اختبار حقيقي في إنهاء الحرب وواقع التحالفات على الأرض.

ويرى الباحث السياسي والأكاديمي الدكتور الأمين بلال مختار، أن الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران سوف تغير قواعد اللعبة في السودان، ويقول في حديثه لـ “الحل نت“، إن أميركا باتت تنظر إلى السودان متمثل في نظام بورتسودان بأنه تابع إلى إيران، ما دفعها لتصنيف “الإخوان” في السودان منظمة إرهابية تشكل خطراً على السلم والأمن على مستوى الإقليم والعالم أجمع.

“نجاح أي تسوية سياسية في السودان سيظل مرهونًا بفك الارتباط بين المؤسسة العسكرية والجماعات الأيديولوجية المتشددة التي تعرقل جهود السلام وتراهن على الحرب.”

يُذكر أن كتائب (مثل كتيبة البراء بن مالك) وقيادات جهادية تتبع “للإخوان” وضباط “إخوان” في “الجيش السوداني” أعلنوا خلال آذار/مارس الفائت تأييدهم لإيران، واستعدادهم للانخراط في الحرب مساندة لها حال تدخلت قوات أميركا برياً، بالإضافة إلى التحريض على ضرب إيران لدول الخليج واستهداف المحطات الحيوية مثل المياه والكهرباء.

وبالعودة إلى بلال، فإنه يتوقع ربط البرنامج النووي الإيراني بنفوذها وتدخلها في خلق صراع على مستوى الشرق الأوسط، وأن أيّ تسليح أو تعاون عسكري تقوم به إيران في السودان سيعقد الأوضاع مما قد يفرض تدخلاً دولياً، ويشير إلى أهمية تجفيف الموارد باعتبارها جزء من الحملة الموجهة لحسم النفوذ الإيراني وحلفائه وأذرعه، لجهة أن شبكات تمويل الذهب والسلاح مهددة بالعقوبات التي تهدف لفرض تسوية سياسية تنهي الحرب، واعتبر أن ضعف “الجيش السوداني” وتبعثر جماعة “الإخوان المسلمين” يسهل من الحلول السلمية، خاصة بعد اختفاء المسيّرات الإيرانية وتعرض “الجيش” لخسائر عسكرية.

“الضغوط الإقليمية والدولية المتصاعدة قد تدفع الأطراف المتحاربة إلى التفاوض، لكنها قد تفتح أيضًا الباب أمام مزيد من التعقيد إذا استمرت التحالفات الحالية.”

وفي المنحى ذاته، يشير بلال إلى ضغوط كبيرة في الشهور الأخيرة على قائد “الجيش” البرهان من أميركا والسعودية والإمارات، نتيجة للتقارب الإقليمي الذي يعزز من فرضية السلام بالسودان ومحاصرة تمويل الحرب، وأن هذا من شأنه أن يضطر “الجيش” للذهاب للمفاوضات وتقليص مساحة المناورة، مرجحاً سيناريو تخلي “الجيش” عن “الإخوان”، والتزام “قوات الدعم السريع” بقبول الدمج في “الجيش” المهني الواحد.

ويؤكد بلال على أن تأجيل الحلول السلمية أصبحت ليس في مصلحة “الجيش” والمجموعات المتحالفة معه، وأن البرهان لا يملك غير الاستجابة لخارطة الطريق عبر “الرباعية”، وإلا سيكون مصيره في خطر، وأن الحرب على إيران جاءت في مصلحة القضاء على بؤر التطرف والإرهاب.

السودان يقف أمام لحظة مفصلية؛ إما تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة، أو الانزلاق إلى ساحة مواجهة إقليمية طويلة الأمد.”

تُظهر المقاربة الأميركية الجديدة تجاه النفوذ الإيراني في السودان مزيجاً من الأدوات، والضغط الدبلوماسي متعدد الأطراف، والرقابة المالية والاستخباراتية في تتبع الشبكات، لكن فعالية هذه المقاربة ستظل مرهونة مع الفاعلين الإقليميين وتقاطعات المصالح، في ظل تجاوز طبيعة النفوذ الإيراني في السودان اليوم حدود التعاون العسكري المؤقت، وتحوله إلى مشروع استراتيجي بعيد المدى، يهدف إلى وجود طهران في الجغرافيا السودانية وتهديد أمن البحر الأحمر، وتتجلى خطورة هذا التغلغل في كونه لا يقتصر على توريد العتاد العسكري فحسب، بل يمتد لبناء قدرات بشرية وعسكرية موالية في الداخل السوداني، وهو ما يظهر بوضوح في الدعم المقدم لأذرع “الإخوان” العسكرية مثل “لواء البراء بن مالك”.

What do you feel about this?