العائدون إلى الخرطوم: صدمة المعيشة .. صراع يومي مع الجوع والعطش وانهيار الخدمات

2
aad

في مدينة أنهكتها الحرب حتى فقدت ملامحها القديمة، يحاول آلاف السودانيين العودة إلى الخرطوم بحثًا عن حياة طبيعية لم تعد موجودة. لكن العاصمة التي غادرها السكان هربًا من القتال تستقبلهم اليوم بأزمات أكثر قسوة: اقتصاد منهار، خدمات معطلة، ومياه بالكاد تصل إلى الأحياء، في مشهد يلخص حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان مع دخول الحرب عامها الرابع.

تقارير: وكالات – بلو نيوز

تبدو العودة إلى الخرطوم بالنسبة لآلاف الأسر السودانية محاولة شاقة لاستعادة ما تبقى من حياتها، لكنها في الوقت نفسه تكشف عمق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب العاصمة بعد سنوات الحرب الطويلة.

فالعائدون الذين أنهكتهم رحلة النزوح واللجوء يواجهون واقعاً بالغ القسوة؛ منازل مدمرة أو منهوبة، فرص عمل شبه معدومة، وخدمات أساسية بالكاد تعمل، بينما أصبحت تكلفة البقاء نفسها عبئاً يومياً يهدد قدرتهم على الاستمرار.

ويقول أحد العائدين إن “أول ما يواجهك في الصباح هو حساب تكلفة البقاء”، موضحاً أن شراء الحليب وتأمين وجبتين يومياً وتجهيز احتياجات الأطفال قد يستهلك نحو خمسين ألف جنيه سوداني يومياً، في وقت فقدت فيه غالبية الأسر مصادر دخلها الأساسية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو مليوني شخص في الخرطوم فقدوا أعمالهم في القطاع الخاص، بما يشمل الشركات والمصارف والأسواق والمطاعم والمهن الصغيرة، ما جعل العودة إلى العاصمة خطوة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية والمعيشية.

وتتراوح تكاليف المعيشة الشهرية للأسر بين 700 ألف جنيه لمن يخفضون استهلاكهم إلى الحد الأدنى، وأكثر من مليون ونصف المليون جنيه للعائلات الكبيرة، بينما ترتفع إلى نحو مليوني جنيه شهرياً بالنسبة للأسر التي تضطر لدفع إيجارات السكن.

“العائدون إلى الخرطوم لا يواجهون فقط آثار الحرب والدمار، بل يصطدمون يومياً بمعركة قاسية من أجل البقاء؛ أسعار الغذاء ترتفع بصورة مرهقة، المياه أصبحت سلعة نادرة ومكلفة، وفرص العمل شبه معدومة، بينما تحولت العودة التي حلم بها آلاف النازحين إلى اختبار يومي للجوع والعطش وانهيار أبسط مقومات الحياة.”

وتقول إحدى السيدات العائدات إلى حي الصحافة إن “الخرطوم لم تعد كما كانت قبل الحرب… الأسعار تضاعفت والخدمات تراجعت وكل شيء أصبح مرهقاً”، في وصف يعكس حالة الإحباط التي تسيطر على كثير من العائدين.

وفي قلب العاصمة، تبدو آثار الحرب واضحة على المشهد الاقتصادي؛ فالمكاتب التجارية والمحال التي كانت تشكل مركز النشاط الاقتصادي تحولت إلى مبانٍ شبه مهجورة بعد تعرضها للنهب والتدمير خلال فترات سيطرة قوات الدعم السريع.

ورغم ذلك، بدأت بعض مظاهر الحياة تعود تدريجياً إلى مناطق محدودة مثل شارع الحرية ومحطة جاكسون، حيث عاد عدد من التجار لمزاولة أعمالهم وسط ضعف شديد في القوة الشرائية وغياب الكثافة السكانية التي كانت تميز المدينة قبل الحرب.

ويرى اقتصاديون أن أي تحسن محدود في الحركة التجارية يمكن أن ينعكس إيجاباً على عشرات الآلاف من العاملين في النقل والشحن والبيع بالتجزئة، إلا أنهم يؤكدون أن الاقتصاد الخدمي — الذي كان يمثل أكثر من نصف اقتصاد الولاية قبل الحرب — لا يزال بعيداً عن التعافي.

أما القطاع الصناعي، فقد تعرض لضربة قاسية، خاصة في منطقة بحري، حيث تعرضت المصانع لعمليات نهب واسعة وتدمير ممنهج أدى إلى توقف جزء كبير من النشاط الصناعي.

وفي ظل هذا الانهيار، يعتمد كثير من العائدين على تحويلات أقاربهم من الخارج لتغطية نفقات المعيشة، بينما يحاول آخرون النجاة عبر التجارة الصغيرة أو توريد السلع إلى الأسواق التي بدأت تستعيد نشاطها تدريجياً.

لكن الأزمة لا تتوقف عند الاقتصاد وحده؛ فالعطش أصبح جزءاً من الحياة اليومية في عدد كبير من الأحياء، بعد تعطل محطات المياه بسبب الانقطاع المستمر للكهرباء وتضرر البنية التحتية.

ويقول أحد العاملين في نقل المياه إنه يقضي ساعات طويلة للحصول على برميل مياه يشتريه بخمسة آلاف جنيه ثم يبيعه بأربعة أضعاف السعر لتغطية تكاليف النقل، في وقت أصبحت فيه المياه سلعة مرهقة للأسر محدودة الدخل.

“بعد سنوات الحرب، لم تعد معاناة السودانيين مرتبطة بالخوف والنزوح وحدهما، بل امتدت إلى أبسط حقوق الحياة نفسها؛ الماء والكهرباء والغذاء والعمل. فالخرطوم التي يحاول سكانها استعادة الحياة فيها تبدو مدينة مثقلة بالخراب، حيث يعيش العائدون بين أنقاض اقتصاد منهار وخدمات عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الناس.”

وتصف إحدى السيدات الوضع بأنه “معاناة يومية لا تنتهي”، مشيرة إلى أن الأسر تضطر لإنفاق جزء كبير من دخلها المحدود على شراء المياه، بينما تقول بائعة شاي إن معظم ما تكسبه يذهب لشراء الفحم والمياه.

وفي منطقة شرق النيل، يشير السكان إلى أن عشرات الآلاف يعانون من أزمة عطش حادة، وسط ضعف الاستجابة الرسمية واعتماد بعض الأحياء على جهود ذاتية لإصلاح الآبار وتشغيل مصادر المياه.

وتقول السلطات المحلية إن الأزمة تفاقمت بفعل تذبذب التيار الكهربائي وارتفاع معدلات الاستهلاك، مؤكدة أنها لجأت إلى تشغيل بعض المحطات باستخدام الوقود، إلى جانب خطط لحفر آبار جديدة في مناطق مثل أم بدة.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، عاد نحو أربعة ملايين شخص طوعاً إلى مناطقهم خلال الأشهر الأخيرة، معظمهم إلى الخرطوم وولاية الجزيرة، رغم استمرار التحديات الأمنية والخدمية.

لكن مع دخول الحرب عامها الرابع، لم تعد معاناة السودانيين مرتبطة بالخوف والنزوح فقط، بل امتدت إلى أبسط حقوق الحياة: الماء والكهرباء والغذاء والعمل.

وبين محاولات استعادة الحياة والانهيار الواسع للبنية التحتية، يواصل العائدون إلى الخرطوم معركتهم اليومية من أجل البقاء، في مدينة تحاول النهوض من تحت الركام، بينما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع العاصمة السودانية استعادة الحياة الطبيعية وسط هذا الخراب الهائل؟

What do you feel about this?