اقتصاد السودان يترنح تحت وطأة الحرب .. الجنيه يفقد 87% من قيمته والأسواق خارج السيطرة

9
bbn

تتسارع وتيرة الانهيار الاقتصادي في السودان مع استمرار الحرب واتساع دائرة العقوبات والاضطرابات الأمنية، وسط انهيار الأسواق وتعطل الإنتاج وتآكل قيمة العملة الوطنية بصورة غير مسبوقة، بينما تتزايد المخاوف من دخول البلاد مرحلة انهيار اقتصادي طويل الأمد يهدد الاستقرار المعيشي والاجتماعي لملايين السودانيين.

الخرطوم: تقرير – بلو نيوز

كشفت تقارير دولية ومنظمات اقتصادية عن دخول الاقتصاد السوداني مرحلة حرجة من الانهيار غير المسبوق، نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما تبعها من اضطرابات أمنية وعقوبات مالية وانهيار واسع في مؤسسات الدولة والأسواق وسلاسل الإمداد.

وقالت تقارير أممية ودولية إن الأعمال العدائية تسببت بشكل مباشر في تشويه الأسواق وتعطيل سلاسل توريد الغذاء، حيث تم تسجيل ما لا يقل عن 283 حادثة عنف مرتبطة بالأسواق، إضافة إلى 1,754 حادثة أثرت على الأمن الغذائي والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية بين أبريل 2023 وديسمبر 2025، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في السلع الأساسية وقفزات متسارعة في الأسعار.

شلل اقتصادي وعقوبات خانقة

وأسهمت العقوبات الأمريكية وخروج عدد من البنوك الإقليمية والأجنبية من السوق السوداني في عزل النظام المصرفي عن التمويل الدولي، وقطع الروابط مع الأنظمة المالية العالمية، ما أضعف قدرة السلطات النقدية على إدارة سعر الصرف والتحكم في السيولة.

كما دفعت هذه العزلة السودان إلى الاعتماد على قنوات تحويل مالية مكلفة وغير رسمية عبر أطراف ثالثة، في وقت اتجهت فيه القوى الدولية إلى تشديد الضغوط الاقتصادية عبر سياسات “تجفيف المنابع المالية” للجهات المسلحة، من خلال عقوبات وتجميد أصول وتقييد مصادر التمويل الخارجي.

ورغم تعهد مؤتمر برلين الأخير بحشد نحو 1.5 مليار يورو لدعم السودان، فإن مراقبين يرون أن تأثير هذه التعهدات ظل محدوداً، في ظل استمرار استنزاف الموارد واتساع عمليات النهب والانفلات الاقتصادي.

انهيار الإنتاج وتراجع الزراعة

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنحو 37.5% خلال عام 2023، قبل أن يتواصل التراجع ليسجل انخفاضاً تراكمياً تجاوز 42% بنهاية العام الماضي.

كما تعرض القطاعان الصناعي والزراعي لضربات قاسية، بعد توقف أكثر من 60% من المصانع عن العمل، وانخفاض مساهمة الصناعة في الناتج المحلي إلى أقل من 10%.

وامتد الانهيار إلى القطاع الزراعي، حيث تراجعت مشاريع كبرى مثل مشروع الجزيرة، فيما أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 22% خلال العام الماضي ليصل إلى نحو 5.2 مليون طن فقط، الأمر الذي فاقم أزمة الأمن الغذائي وأضعف سبل العيش الريفية.

اقتصاد موازٍ وتمدد شبكات التهريب

وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة، تمدد الاقتصاد غير الرسمي بصورة غير مسبوقة، إذ تشير تقديرات منظمة “داتا فريندلي سبيس” إلى أن الاقتصاد الموازي بات يهيمن على ما بين 60% و70% من النشاط الاقتصادي في البلاد.

ويعزو خبراء هذا التوسع إلى تصاعد شبكات التهريب والأنشطة غير المشروعة، خاصة تهريب الذهب، ما أدى إلى تحويل الإيرادات بعيداً عن خزينة الدولة، وتغذية اقتصاد الحرب وتمويل الجماعات المسلحة، إلى جانب تقليص القاعدة الضريبية وانهيار الإيرادات العامة.

كما تجاوزت الديون الخارجية حاجز 60 مليار دولار، في وقت تراجعت فيه الإيرادات الحكومية إلى أقل من 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ما ضيق بشدة قدرة الدولة على تمويل الخدمات أو تنفيذ أي سياسات استقرار اقتصادي.

الجنيه السوداني في أدنى مستوياته

ويعيش النظام النقدي السوداني حالة من الاضطراب الحاد، مع فقدان الجنيه السوداني نحو 87% من قيمته خلال ثلاث سنوات فقط، بعدما تراجع سعره من نحو 55 جنيهاً مقابل الدولار في عام 2018 إلى أكثر من 600 جنيه في السوق الموازية بحلول 2023، وسط استمرار التدهور حتى العام الحالي.

كما بلغ معدل التضخم السنوي نحو 77.7% خلال عام 2026، بالتزامن مع خروج معظم السيولة النقدية من النظام المصرفي، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 90% و95% من الكتلة النقدية أصبحت خارج البنوك.

وتزامن ذلك مع انسحاب ستة بنوك أجنبية أو أكثر من السوق السوداني، الأمر الذي عمّق أزمة الثقة في القطاع المصرفي وقلّص قدرة البنك المركزي على التحكم في الائتمان وأسعار الصرف.

ويرى اقتصاديون أن استعادة الاستقرار تتطلب إصلاحات جذرية تشمل تعزيز استقلالية البنك المركزي، وإعادة الحسابات الحكومية إلى المنظومة الرسمية، ودمج البنوك وإعادة هيكلة القطاع المالي.

سوق العمل تحت الانهيار

وامتدت تداعيات الأزمة إلى سوق العمل، حيث تسبب الانكماش الاقتصادي والنزوح الواسع في فقدان ملايين السودانيين لمصادر دخلهم، بينما هيمن الاقتصاد غير الرسمي على النشاط الاقتصادي بشكل شبه كامل.

كما ساهم التضخم المرتفع في تآكل الأجور وانخفاض القدرة الشرائية، في وقت أدت فيه الحرب إلى نزوح أكثر من 13 مليون شخص، إضافة إلى عودة نحو 4 ملايين شخص إلى مناطقهم، ما فرض ضغوطاً إضافية على الوظائف والخدمات الأساسية.

وأفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن برامج دعم سبل العيش لم تصل سوى إلى 14,630 شخصاً خلال العام الماضي، فيما لم تتجاوز تغطية خطة الاستجابة الإنسانية نسبة 16% من الاحتياجات المطلوبة، ما يعكس اتساع الفجوة بين حجم الأزمة والموارد المتاحة لمواجهتها.

ويحذر محللون اقتصاديون من أن السودان يتجه نحو ركود طويل الأمد، في ظل توقعات بنمو ضعيف لا يتجاوز 1.2% سنوياً، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة وتنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية عميقة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتوقف نزيف الحرب.

What do you feel about this?