سماء مكشوفة فوق الخرطوم: هجمات المسيّرات تفضح هشاشة الدفاعات وتربك رواية الجيش

1
khr

كشف الهجوم الأخير بالطائرات المسيّرة على الخرطوم تحولات عسكرية لافتة في مسار الحرب السودانية، بعدما أظهر قدرة متقدمة للطرف المهاجم على اختراق العمق الاستراتيجي وتنفيذ ضربات متزامنة منخفضة الكلفة، مقابل تصاعد التساؤلات حول فعالية منظومات الدفاع الجوي السودانية وتماسك الرواية الرسمية بشأن إدارة التهديدات الجوية المتكررة.

تقرير: الخرطوم – بلو نيوز

يمثل الهجوم بالطائرات المسيّرة الذي استهدف ولاية الخرطوم، الإثنين، تصعيداً عسكرياً نوعياً يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة الحرب الدائرة في السودان، ويؤشر إلى انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً تعتمد على الضربات الدقيقة والاستنزاف التقني طويل المدى.

وبحسب ما أوردته صحف سودانية، فقد شمل الهجوم ضربات متزامنة داخل الخرطوم الكبرى وأم درمان، استهدفت مطار الخرطوم الدولي ومحيطه التشغيلي والراداري، إضافة إلى شارع عبيد ختم ومواقع جنوب الخرطوم، إلى جانب قاعدة المرخيات العسكرية في أم درمان، ما يشير إلى عملية منسقة متعددة الأهداف وليست مجرد ضربة تكتيكية محدودة.

وتقدّر مصادر متابعة أن العملية نُفذت باستخدام أربع طائرات مسيّرة على الأقل، ضمن نمط تصعيد بدأ منذ مارس 2026، حيث تكررت عمليات الرصد والتحليق في ولايات النيل الأزرق والنيل الأبيض وشمال وجنوب كردفان، مع محدودية واضحة في عمليات الاعتراض والإسقاط.

تحول في طبيعة الحرب

تعكس هذه العمليات تطوراً لافتاً في مفهوم “الضربة المستمرة منخفضة الكلفة”، وهو نمط قتالي بات يمثل إحدى أبرز سمات الحروب الحديثة، ويعتمد على استخدام مسيّرات انتحارية أو استطلاعية تُدار عبر شبكات توجيه مرنة وغير مركزية، بما يتيح تنفيذ هجمات متكررة تستنزف الدفاعات الجوية التقليدية وتربك منظومات القيادة والسيطرة.

ويشير تواتر الهجمات خلال فترة زمنية قصيرة إلى امتلاك الطرف المهاجم قدرة عملياتية متقدمة، سواء من حيث التخطيط أو التحكم أو القدرة على الوصول إلى أهداف تبعد مئات الكيلومترات داخل العمق السوداني، دون اعتراض فعّال.

كما أن اختراق مسيّرات لمجالات جوية تمتد من النيل الأزرق حتى الخرطوم مروراً بكردفان، يكشف – وفق مراقبين – غياب طبقات دفاع جوي متدرجة قادرة على التعامل مع أهداف منخفضة الارتفاع وبطيئة الحركة، وهي الفئة التي تُعد الأكثر استخداماً في حروب المسيّرات الحديثة.

تناقضات في الرواية الرسمية

في المقابل، أثارت التصريحات التي قدمها الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية خلال المؤتمر الصحفي المشترك موجة واسعة من التساؤلات، خصوصاً فيما يتعلق بالفجوة الزمنية بين رصد أول اختراق جوي في الأول من مارس، وبين بدء التعامل العملياتي في السابع عشر من الشهر ذاته.

ويرى محللون عسكريون أن الحديث عن مرور 16 يوماً بين الرصد والاستجابة يتناقض مع أبسط معايير الدفاع الجوي الحديثة، حيث تُقاس أزمنة التعامل مع التهديدات الجوية بالدقائق لا بالأيام، خاصة في ما يتعلق بالأهداف منخفضة الارتفاع.

كما أثار الحديث عن تتبع المسيّرات حتى جبل أولياء دون إسقاطها تساؤلات إضافية حول فعالية أنظمة الاشتباك، إذ إن أنظمة الرادار الحديثة قادرة – نظرياً – على اكتشاف هذا النوع من الأهداف مبكراً، ما يفترض تفعيل الاعتراض فور الرصد، وليس الاكتفاء بالمتابعة.

أما الرواية المتعلقة بتحليل بيانات المسيّرة الساقطة والتواصل مع “الشركة المصنعة”، فقد وُوجهت بانتقادات تقنية وقانونية، خاصة مع غياب أي توثيق فني معلن أو سجلات رقمية تدعم المزاعم الرسمية، فضلاً عن أن الشركات المصنعة عادة لا تمتلك بيانات تشغيلية مباشرة بعد بيع الأنظمة العسكرية، ما يجعل تحديد المستخدم النهائي عبر “رقم جزئي” أمراً محل تشكيك واسع.

اختبار قاس للدفاعات الجوية

ويبدو أن أخطر ما كشفته الهجمات الأخيرة لا يتعلق فقط بقدرة المسيّرات على الوصول إلى أهداف حساسة، بل أيضاً بمدى الضغط الذي باتت تمارسه هذه الحرب منخفضة الكلفة على بنية الدفاع الجوي السوداني، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تطوير منظومات الإنذار المبكر أو تعزيز قدرات الاعتراض.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا النمط من الهجمات قد يفرض واقعاً عسكرياً جديداً في السودان، تصبح فيه السماء مفتوحة أمام حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد، تعتمد على الكلفة المنخفضة للمسيّرات مقابل الكلفة العالية لمنظومات الدفاع التقليدية، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوة في الصراع بشكل متسارع.

What do you feel about this?