وثائق الـFBI تكشف خفايا تسليح السودان .. صفقات سرية وعمولات ووسطاء عبر “واتساب”
تكشف وثائق تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) في قضية الإيرانية شميم مافي جانباً بالغ الحساسية من آليات إدارة التسليح داخل السودان، عبر شبكة معقدة من الوسطاء والتحويلات غير الرسمية والعمولات السرية، في مشهد يثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة العقود العسكرية ومستوى الاختراق الأمني داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
متابعات – بلو نيوز
لا تبدو قضية الإيرانية شميم مافي، وفق الوثائق المتداولة المرتبطة بتحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، مجرد ملف جنائي يتعلق بمحاولة تمرير صفقة سلاح، بل نافذة واسعة تكشف كيف تُدار منظومة التسليح في السودان خلال العقود الأخيرة، داخل بيئة يختلط فيها العمل العسكري بالوسطاء والعمولات والتحويلات المالية غير الرسمية.
فالوثائق، بحسب ما ورد في التقارير المنشورة، لا تتحدث فقط عن شراء ذخائر أو صواعق قنابل، بل ترسم صورة كاملة لآليات تمويل وتسليح تعمل خارج القنوات المؤسسية التقليدية، عبر شركات صرافة وتحويلات نقدية ووسطاء من عدة دول، في ظل عقوبات دولية وعزلة مصرفية خانقة.
أموال تمر عبر الظل
أخطر ما تكشفه الوثائق هو طبيعة حركة الأموال نفسها. فبدلاً من استخدام القنوات البنكية الرسمية المعروفة في صفقات التسليح الحكومية، تشير الوقائع إلى اعتماد تحويلات عبر شركات صرافة في تركيا، ودفعات نقدية صغيرة لتجنب أنظمة الرقابة المصرفية، إضافة إلى استخدام حسابات شخصية ووسطاء ماليين.
وبحسب إحدى الرسائل الواردة في الوثائق، فقد قيل صراحة: “في تركيا يمكننا القبول عبر الصرافة فقط، ويجب أن يكون نقداً”، وهو ما اعتبره المحققون محاولة واضحة لتفادي أنظمة الإبلاغ المالي والرقابة المرتبطة بالعقوبات.
ويصف خبراء مكافحة غسل الأموال هذا النمط بأنه قريب من أسلوب “التجزئة المصرفية” أو smurfing، وهو أسلوب يُستخدم لتقسيم المدفوعات وتجاوز حدود الرصد البنكي، ويشيع في شبكات الجريمة المنظمة وغسل الأموال.
ويطرح ذلك تساؤلات عميقة: لماذا تلجأ مؤسسة عسكرية لدولة إلى قنوات مالية موازية تشبه شبكات السوق السوداء؟ وهل كان الهدف فقط تجاوز العقوبات، أم إخفاء عمولات وصفقات لا يمكن تمريرها عبر النظام الرسمي؟
طبقة من السماسرة حول الجيش
وتشير الوثائق إلى دفع نحو 183 ألف درهم إماراتي كعمولة لوسيط مصري كُلّف بالتفاوض باسم منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، ما يعكس – بحسب مراقبين – وجود شبكة كاملة من الوسطاء والسماسرة تحيط بعقود التسليح.
ويبدو المشهد، وفق التحليل الوارد في الوثائق، أقرب إلى “اقتصاد حرب” تديره شبكات شخصية: سمسار يفاوض، وآخر يحوّل الأموال، ووسيطة تؤمن التواصل، فيما تُستنزف الموارد بعيداً عن أي شفافية أو رقابة مؤسسية.
ويرى مراقبون أن الخطورة لا تكمن فقط في وجود وسطاء، إذ إن صفقات السلاح عالمياً تعتمد أحياناً على شركات وسيطة مرخصة، بل في طبيعة التنفيذ غير الرسمية، واستخدام قنوات مالية سرية، وغياب العقود الواضحة والإجراءات المؤسسية المعروفة.
اختراق أمني واسع
ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق، بحسب الوثائق، طريقة إدارة الاتصالات الخاصة بالصفقات العسكرية. إذ تشير المزاعم إلى أن ضباطاً ومسؤولين عسكريين تداولوا معلومات حساسة حول احتياجات الذخيرة وكميات السلاح ومواعيد التسليم عبر تطبيق “واتساب”.
كما تحدثت الوثائق عن إرسال شهادات مستخدم نهائي ووثائق مرتبطة بوزارة الدفاع عبر الهواتف الشخصية، في وقت كانت فيه أطراف إقليمية ودولية عدة تراقب مسارات الحرب السودانية عن كثب.
ويرى خبراء أمنيون أن هذا النوع من التواصل يفتح الباب أمام اختراقات استخباراتية خطيرة، خاصة في ظل امتلاك أجهزة استخبارات دولية وإقليمية قدرات متقدمة في مراقبة الاتصالات وتحليل البيانات.
وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق الحديث – وفق ما ورد في الوثائق – بطلبات عاجلة لتوريد ملايين الطلقات خلال أيام قليلة بسبب الوضع العملياتي، ما يعني أن معلومات مرتبطة بمخزون الذخيرة والجاهزية العسكرية ربما أصبحت متاحة خارج الدوائر السيادية المغلقة.
منظومة صناعات أم إدارة وساطة؟
وتسلط الوثائق الضوء على الدور المنسوب إلى مدير منظومة الصناعات الدفاعية الفريق أول ميرغني إدريس سليمان، حيث تشير المزاعم إلى تكليفه وسيطاً مصرياً للتفاوض في صفقة ذخائر وصواعق قنابل.
ويثير ذلك تساؤلات حول طبيعة إدارة ملف التصنيع الحربي السوداني، خاصة أن منظومة الصناعات الدفاعية تُعد أكبر مجمع صناعي عسكري في البلاد، وكان يُفترض أن تدير علاقاتها وصفقاتها عبر قنوات دولة رسمية ومباشرة.
ويرى محللون أن اللجوء إلى وسطاء متعددين وشبكات صرافة بدلاً من اتفاقات حكومية مباشرة، يعكس أزمة أعمق تتعلق بتفكك البنية المؤسسية وهيمنة العلاقات الشخصية والعمولات على حساب التخطيط الاستراتيجي.
مخاطر العقوبات والعزلة
كما تضع الوثائق المؤسسة العسكرية السودانية أمام خطر العقوبات الثانوية، خاصة مع الإشارات إلى التعامل مع جهات مرتبطة بمنظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية والحرس الثوري الإيراني، المصنفين ضمن قوائم العقوبات الأمريكية.
وفي حال ثبوت هذه المعاملات، فإن الأمر قد يفتح الباب أمام تشديد القيود المالية والدبلوماسية على السودان، ويزيد من تعقيد علاقاته المصرفية والاقتصادية مع العالم الخارجي.
أسئلة بلا إجابات
ورغم خطورة ما ورد في الوثائق، لا تزال أسئلة جوهرية مطروحة دون إجابات واضحة:
من كان يدير هذه الشبكات فعلياً؟
ومن سمح بتداول معلومات عسكرية حساسة عبر تطبيقات شخصية؟
وهل فُتحت أي تحقيقات داخلية بشأن هذه التسريبات والاختراقات المحتملة؟
في المقابل، يرى مراقبون أن ما تكشفه القضية يتجاوز مجرد “صفقة سلاح”، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الدولة ومؤسساتها السيادية خلال سنوات الحرب والعقوبات، حيث تحولت ملفات بالغة الحساسية إلى مساحات مفتوحة للسماسرة والوسطاء والتحويلات الموازية، في واحدة من أخطر صور التآكل المؤسسي في تاريخ السودان الحديث.
