مهدي عبدالله حامد: دعوة ياسر العطا لإصلاح “كلية الجلابة الحربية” تأخرت سبعون عامًا ولا مجال لتغيير جلد الأفعى.

68
mhdi

مهدي عبدالله حامد

لعل الناظر في ثنايا التاريخ السياسي والعسكري للسودان يدرك يقينًا أن الكلية الحربية لم تكن صرحٍ تعليمي وتدريبي، وإنما كانت المصنع الأول لإنتاج الأزمات وتعميق الجراح الوطنية التي نزفت دمًا في الأدغال والوهاد جراء استخدام الأسلحة الكيميائية والإبادة الجماعية ، فلا غرو أن هذا الاحتكار الذي دام لسبعة عقود قد حوّل البندقية من أداة لحماية الدستور إلى رصاص مكثوب يستخدمه “المركز” على ظهور “الشعوب السُّودانية” وما دعوة الموتور ياسر العطا اليوم إلا اعترافًا ضمنيًا بهذا التاريخ الأسود المؤلم، وإن جاءت دعوته هذه بطعم المرارة، بانهيار تلك المنظومة التي شيدت على جرفٍ هارٍ من الجهوية والعرقية، وريثما يستفيق العقل العسكري الجلابي من نشوة الاستعلاء، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يدعو للشفقة والسخرية من هذه الدعوة، فمن كان يرى في “الكثافة السكانية” مؤامرةً لتفكيك الجيش في بنود الاتفاق الإطاري، هو نفسه من يتحدث عنها اليوم كطوق نجاة، في مفارقةٍ تجعل من الحكمة القائلة “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت” عنوانا عريضا لهذه المرحلة.

ولئن كان الحديث عن “القومية” اليوم يخرج من أفواه قادةٍ أدمنوا الإقصاء، فإن الذاكرة السودانية لا تزال تحتفظ بأرقام الفجيعة، حيث استأثرت فئةٌ محدودة بنسبة تفوق الـ 93% من مقاعد القبول، تاركةً لبقية السودان فُتات “السبعة بالمئة” لتزيين وجه المؤسسة العسكرية القبيح ، وبما أن المعايير الأكاديمية واللياقة البدنية كانت دائمًا هي “كلمة الحق التي أُريد بها باطل” فإنه من المضحك المبكي التساؤل حول هل كانت هذه المعايير ستسمح للعطا نفسه بارتداء الكاكِي لو طُبقت بنزاهةٍ على كافة أقاليم السودان …!!! بيد أن الواقع يشير إلى أن الكفاءة في قاموس “جيش الجلابة” كانت تعني الانتماء الجغرافي والعرقي والولاء الأيديولوجي لمليشيات الحركة الإسلامية او اليسار الشمالي، إلا أن الرياح هبت بما لا تشتهي سفنهم، فاستحال الحصن الحصين إلى عبءٍ ثقيل يبحث عن شرعيةٍ زائفة في الكثافة السكانية التي كفروا بها بالأمس وأشعلوا لأجلها الحروب ، وبمثل ما حاولوا تسويق أنفسهم كحماة للدولة، كشفت الممارسة أنهم حماةٌ لامتيازات عرقية ضيقة، خلافا لما يروج له العطا من “تغيير جوهري” فإن هذا التبدل لا يتعدى كونه تغييرًا في “لون جلد الأفعى” بينما السم الزعاف لا يزال يسرى في عروق المؤسسة المؤدلجة ، وكما لو أن التاريخ يعيد نفسه في ثوب الكوميديا السوداء، يطالبون الآن بما رفضوه في الاتفاق الإطاري، فلا ريب أن هذا التحول هو اعتراف بهزيمة مشروع “جيش الجهة الواحدة” أمام طموحات السودانيين في جيش مهني حقيقي، صدقا، إن الكلية الحربية كانت هي الفتيل الذي أشعل كل الحرائق، لأنها أوصدت أبوابها في وجه الشجعان من أبناء الغرب والشرق وكردفان والنيل الأزرق، متذرعةً بشروطٍ واهية، بينما كانت الحقيقة هي الخوف من ضياع السلطة والثروة.

حقا، لقد استنفدت هذه المؤسسة كافة فرص الإصلاح الشكلي، ولم تعد عمليات التجميل المتأخرة قادرة على إخفاء ندوب الظلم التاريخي الذي مارسته “النخبة” ضد الغالبية ، وما لبث أن انكشف القناع، صار لزامًا على السودانيين عدم الانخداع بهذه الوعود التي تشبه “لبن الطير” الذي يُسمع به ولا يُرى، فالهدف ليس توزيع المقاعد فحسب، وإنما إنهاء الهيمنة الجهوية العرقية التاريخية التي تغلغلت في مفاصل الجيش ، فمن المفترض الآن، وأكثر من أي وقت مضى، أن تتجه الإرادة الوطنية نحو تأسيس جيشٍ مهني قومي، لا ينحني لعرق ولا يسبح بحمد تنظيم، جيش يحرس الحدود ولا يغزو المدن ، وكما إنَّ السخرية تكمن في أن من أشعل الحرب هربًا من “قومية الجيش” ومؤسسات الدولة هو من يبشر بها الآن بعد أن أكلت الحرب الأخضر واليابس، وكما قيل في الأثر “بعد خراب مالطا يطلبون الإصلاح” ولكن هيهات، فقد ولّى زمن التمكين، وبزغ فجر السودان الذي لا يُقصى فيه أحد بسبب جهته أو قبيلته وسوف تتأسس الكلية الحربية السودانية الحقيقية الكُبرى من وجع الماضي لتكون الحارس للحدود والحامي للدستور المدني الديمقراطي العلماني الفدرالي.

What do you feel about this?