د. مروة سعيد: اعتقال شميم مافي يفتح ملف الأسلحة المحظورة .. وتشابكات إيران والجيش السوداني تعود للواجهة الدولية
د. مروة سعيد – استشارية جراحة القلب والأوعية الدموية، الرياض
في تطور خطير هز الأوساط السياسية والأمنية الدولية، ألقت السلطات الأمريكية القبض على مواطنة إيرانية تدعى شميم مافي في مطار لوس أنجلوس الدولي، بتهمة التورط في صفقات أسلحة معقدة بين الحرس الثوري الإيراني والجيش السوداني وبوساطة تركية، ولم يكن هذا الاعتقال مجرد خبر عابر، بل جاء ليؤكد ما أشارت إليه تقارير استخباراتية وتحليلات سياسية متكررة بشأن طبيعة الروابط بين هذه الأطراف، ويعيد إلى الواجهة ملف تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان (الكيزان) كمنظمات إرهابية.
ووفقاً للادعاءات الأمريكية، فإن شميم مافي، البالغة من العمر 44 عاماً، لعبت دور الوسيط الرئيسي في صفقات أسلحة تقدر بملايين الدولارات، شملت بيع طائرات مسيّرة إيرانية الصنع من طراز “مهاجر-6″، إلى جانب قنابل وفتائل تفجير وملايين الطلقات من الذخيرة لصالح الجيش السوداني، وتشير بعض التقارير إلى أن تركيا كانت نقطة عبور لهذه الشحنات ما يضيف بعداً إقليمياً أكثر تعقيداً لهذه الشبكة. وتكشف هذه الصفقات التي جرت بعيداً عن الرقابة الدولية، عن محاولات إيرانية لتعزيز نفوذها في المنطقة عبر دعم أطراف عسكرية، كما تثير في الوقت ذاته تساؤلات حول حصول الجيش السوداني على أسلحة وذخائر، بما فيها أسلحة ومواد محظورة دولياً لاستخدامها في حروبه وصراعاته التي امتدت اليوم وتحولت من تهديد داخلي إلى تهديد إقليمي ودولي، عبر جماعات ذات طابع إسلامي متشدد، وهو ما يثير مخاوف وتساؤلات جدية، خاصة في ظل تنصل الجيش من التزاماته المتعلقة بحفظ الأمن والسلم الدوليين.
لطالما نفت قيادة الجيش السوداني وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أي ارتباط لها بجماعة الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية السودانية إلا أن هذا النفي يتناقض مع الواقع، إذ نشاهد اليوم عدداً من الكتائب التابعة لتنظيم الإخوان تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، فيما تعج وسائل الإعلام بعشرات التصريحات لقادتها، بل يسيرون جنباً إلى جنب مع قيادات الجيش نفسه خاصة كتيبة البراء بن مالك المصنفة إرهابية والمفروض على قائدها عقوبات دولية قبل قرار التصنيف، ويأتي ذلك في سياق تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الإخوان والحركة الإسلامية في السودان كمنظمات إرهابية وهو تصنيف استند جزئياً إلى ارتباطاتها بالحرس الثوري الإيراني وبالإضافة الى تنظيمات أخرى مصنفة إرهابية مثل حماس، وداعش، وحركة الشباب الصومالية وتنظيم بوكو حرام.
إن اعتقال مافي، وما كشفته التحقيقات من طبيعة الصفقات والأطراف المتورطة، يقدم دليلاً مادياً جديداً على هذه الارتباطات. فإذا كانت إيران عبر الحرس الثوري تدعم الجيش السوداني بالأسلحة فإن ذلك يعزز الفرضية القائلة بأن هناك قواسم مشتركة ومصالح متقاطعة بين هذه الأطراف تتجاوز الخطابات الرسمية، إن ما كشفته قضية شميم مافي ليس سوى تأكيد على حقيقة يدركها الكثيرون في السودان وخارجه هو أن الجيش السوداني في قيادته الحالية هو الوجه الآخر للحركة الإسلامية. فالنظرة المتعمقة لتاريخ القيادات العسكرية السودانية الحالية من البرهان وكباشي وياسر العطا وغيرهم، تكشف أن غالبيتهم كانوا ولا زالوا كوادر وقيادات بارزة في تنظيم الإخوان والحركة الإسلامية في السودان، وهذا الارتباط ليس وليد اليوم بل يعود إلى عقود مضت، فبعد انقلاب عام 1989 الذي أوصل الحركة الإسلامية إلى السلطة، قامت هذه الحركة بإقصاء وتصفية مئات الضباط الذين لا ينتمون إليها في عملية تطهير واسعة النطاق، وقد بلغت هذه التصفية ذروتها في مذبحة “شهداء 28 رمضان” عام 1990، حيث تم إعدام عشرات الضباط الشجعان الذين رفضوا الانصياع لحكم الحركة الإسلامية، وهذه الواقعة الأليمة لا تزال عالقة في ذاكرة الشعب السوداني، وتؤكد على أن الولاء الأيديولوجي كان ولا يزال معياراً أساسياً في بنية الجيش السوداني تحت سيطرة الحركة الإسلامية.
إن اعتقال شميم مافي يضع الجيش السوداني في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، ويزيد من الضغوط عليه للكشف عن طبيعة علاقاته مع إيران والحرس الثوري. كما أنه يعزز من الشكوك حول مدى استقلالية القرار العسكري في السودان عن التأثيرات الأيديولوجية للحركة الإسلامية، وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذه التطورات قد تؤدي إلى تشديد العقوبات على الأطراف المتورطة، وتعميق عزلة السودان في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الدعم الدولي للخروج من أزماته المتلاحقة. إن الكشف عن هذه الشبكة المعقدة من صفقات السلاح والارتباطات الأيديولوجية يدعو إلى إعادة تقييم شاملة للوضع في السودان، وضرورة العمل على بناء جيش وطني مهني بعيداً عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية لضمان استقرار السودان والمنطقة ككل.
