د. مروة سعيد: صراع أجنحة السلطة بين كامل إدريس وجبريل إبراهيم يهدد تماسك حكومة بورتسودان من الداخل
د. مروة سعيد
تشهد أروقة السلطة الانتقالية في العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان حالة من الغليان السياسي المتصاعد، على خلفية مواجهة مفتوحة بين رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس ووزير المالية والاقتصاد الوطني الدكتور جبريل إبراهيم. مواجهة تجاوزت حدود الخلافات الإدارية لتتحول إلى أزمة سياسية عميقة تهدد تماسك الحكومة، وتضع مستقبل التوافق الهش داخلها أمام اختبار بالغ الخطورة.
ولم يكن قرار رئيس الوزراء بإعفاء وكيل التخطيط بوزارة المالية محمد بشار حدثاً إدارياً عابراً، بل شكل نقطة تحول فجّرت التوتر. فالقرار لم يقتصر على الإعفاء، بل امتد إلى إعادة هيكلة المنظومة التخطيطية عبر إلغاء وكالة التخطيط ودمج مهامها ضمن الأمانة العامة للمجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي التابع مباشرة لرئاسة الوزراء، وهذه الخطوة بحسب مصادر مطلعة، اعتبرتها دوائر مقربة من وزير المالية تعدياً مباشراً على صلاحيات الوزارة ومحاولة لإعادة رسم موازين النفوذ داخل الجهاز التنفيذي. وفي تصعيد لافت، وُصف بأنه غير مسبوق في إدارة الخلافات الحكومية، تشير معلومات إلى أن جبريل إبراهيم تمسك باستمرار الوكيل المقال في مهامه، متجاوزاً التوجيهات الصادرة من رئاسة الوزراء، ما خلق حالة ازدواج إداري أربكت عمل الوزارة.
ملفات الفساد تدخل ساحة الاشتباك
في خضم هذا التصعيد برزت ملفات الفساد كعامل إضافي زاد من سخونة المواجهة. فقد أفادت مصادر بأن رئيس الوزراء شرع في فتح تحقيقات موسعة حول تجاوزات مالية وإدارية داخل وزارة المالية، شملت تشكيل لجنة تحقيق رفيعة برئاسة مدير عام الجمارك الفريق صلاح، وتشير هذه التحركات إلى محاولة لإعادة ضبط الأداء المالي والإداري، في مقابل قراءات أخرى داخل دوائر سياسية تعتبرها جزءاً من صراع نفوذ متصاعد بين مؤسسات الدولة.
ولا يبدو أن الخلاف محصور في قرار أو إجراء إداري، بل يعكس صراعاً أعمق حول شكل الدولة وطريقة إدارتها في ظل الحرب. فبينما يدفع رئيس الوزراء كامل إدريس، بخلفيته الأكاديمية والدولية، نحو نموذج إداري تكنوقراطي أكثر مركزية وصرامة في الرقابة، يتمسك جبريل إبراهيم، ممثلاً لأحد مكونات اتفاق جوبا، بموقعه كجزء من ترتيبات سياسية قائمة على تقاسم السلطة، وهذا التباين يعكس مواجهة غير معلنة بين منطق “إعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية” ومنطق “المحاصصة السياسية” الذي أفرزته اتفاقات السلام، ما يجعل الصراع الحالي جزءاً من إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الدولة.
تداعيات تهدد اقتصاداً يترنح
في ظل هذا التوتر، تتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على اقتصاد منهك أصلاً بفعل الحرب. فاستمرار الانقسام داخل قمة الجهاز التنفيذي قد يؤدي إلى:
شلل في صناعة القرار الاقتصادي وتأخر البرامج الطارئة.
تراجع ثقة المانحين والمؤسسات الدولية في قدرة الحكومة على إدارة الموارد.
تفاقم الأزمة المعيشية نتيجة تعطّل السياسات المالية والإدارية.
وبالإضافة الى ذلك فأن أي تصعيد إضافي قد يدفع نحو مزيد من الارتباك المؤسسي في وقت يحتاج فيه السودان إلى أعلى درجات الانسجام الحكومي، خاصة وان الدولة السودانية تقف اليوم أمام اختبار حقيقي يتجاوز الأشخاص الى موضوع حكم الدولة ذاتها. فالصراع بين كامل إدريس وجبريل إبراهيم في حقيقته يعكس معركة أوسع حول هوية السلطة وكيفية إدارتها في مرحلة الحرب والانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
