الجوع يحاصر السودان: برنامج الأغذية العالمي يتهم سلطات بورتسودان بعرقلة الإغاثة
دق برنامج الأغذية العالمي ناقوس الخطر بشأن تفاقم الكارثة الإنسانية في السودان، كاشفاً عن اتساع رقعة المجاعة وتزايد معوقات إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة من الحرب، وسط تحذيرات من انهيار شامل للأمن الغذائي في ظل استمرار القتال وتراجع التمويل الإنساني وتعقيدات الوصول للمحتاجين.
متابعات – بلو نيوز
كشف تقرير حديث لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) عن صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية في السودان، حيث تتسارع معدلات الجوع وانعدام الأمن الغذائي بصورة غير مسبوقة، في وقت تواجه فيه عمليات الإغاثة تحديات معقدة تتعلق بالوصول والتمويل والقيود الإدارية المرتبطة بالحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ويغطي التقرير الفترة الممتدة من أبريل 2023 حتى أغسطس الماضي، متناولاً الأوضاع في السودان وبعض دول الجوار، ويصف الأزمة بأنها واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في العالم، مع انتقال مناطق واسعة من البلاد من مرحلة “الأزمة” إلى مستويات “الكارثة” والمجاعة وفق التصنيفات الدولية.
أرقام تعكس حجم الكارثة
وبحسب التقرير، ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية إلى نحو 30.4 مليون شخص حتى ديسمبر 2024، بينهم أكثر من 25 مليوناً يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي وسبل العيش.
ورغم توسع عمليات الإغاثة مقارنة ببداية الحرب، حيث ارتفع عدد المستفيدين من أقل من مليون شخص في مايو 2023 إلى نحو 5.6 مليون في مايو 2025، فإن البرنامج يؤكد أن هذه الأرقام لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.
وأشار التقرير إلى تراجع خطير في مؤشرات التغذية، خاصة بين النساء، حيث انخفضت نسبة النساء اللاتي يتمتعن بمستوى غذائي مقبول من 46% إلى 34% خلال عام واحد فقط، في مؤشر يعكس عمق الأزمة داخل الأسر والمجتمعات المتضررة.
كما أظهرت بيانات البرنامج تمدد المجاعة إلى مناطق واسعة، مع توثيق حدوث مجاعة فعلية في أجزاء من شمال دارفور منذ أغسطس 2024، إلى جانب خمس مناطق أخرى تواجه الوضع نفسه، و17 منطقة إضافية مهددة بالمجاعة.
الوصول الإنساني تحت الضغط
وفي جانب بالغ الحساسية، تحدث التقرير عن معوقات كبيرة تواجه إيصال المساعدات الإنسانية، مشيراً إلى ما وصفه بـ”العقبات البيروقراطية” وتعقيدات التفاوض للوصول إلى المناطق الخارجة عن سيطرة القوات المسلحة السودانية.
وأوضح التقرير أن الاعتراف الدولي بمجلس السيادة الانتقالي بقيادة الجيش السوداني أثّر – بحسب تقييم البرنامج – على تصورات الحياد الإنساني، وأعاق قدرة الأمم المتحدة على التفاوض بشأن الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالحرب، خاصة في دارفور وكردفان.
كما أشار إلى أن القيود المرتبطة باستخدام المعابر ومسارات النقل أسهمت في تأخير وصول المساعدات ورفع تكاليفها، في ظل اعتماد مسارات طويلة ومعقدة لنقل الإغاثة من بورتسودان إلى مناطق النزاع.
ويؤكد التقرير أن العاملين في المجال الإنساني واجهوا أيضاً تحديات أمنية مباشرة، شملت هجمات على القوافل والعاملين، إلى جانب صعوبات لوجستية وإدارية أثرت على فاعلية الاستجابة الإنسانية.
انهيار الأمن الغذائي والزراعة
ويربط التقرير بين تفاقم الأزمة الإنسانية والانهيار الواسع للقطاع الزراعي، خاصة في ولايات رئيسية مثل الجزيرة وسنار، حيث أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية الزراعية وتعطيل الإنتاج وسلاسل الإمداد.
كما أشار إلى تعرض مخزونات غذائية للنهب والعنف، موضحاً أن السودان استحوذ وحده على نحو 79% من خسائر الأغذية العالمية التي تعرض لها البرنامج خلال عام 2023.
ورغم تنفيذ بعض المشاريع الطارئة لدعم المزارعين، بما في ذلك برامج إنتاج القمح، فإن البرنامج يرى أن حجم الدمار يفوق بكثير قدرات التدخل الحالية، في ظل اتساع رقعة الحرب وانعدام الاستقرار.
أزمة تمويل خانقة
ويحذر التقرير من أن الأزمة تتفاقم أيضاً بسبب تراجع التمويل الإنساني، حيث لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية الإقليمية 25% حتى سبتمبر الماضي، وهو ما انعكس مباشرة على حجم المساعدات والبرامج الغذائية والصحية.
وأشار البرنامج إلى أن استمرار الحرب وغياب أي مؤشرات قريبة للتوصل إلى تسوية سياسية يدفعان كثيراً من الجهات الإنسانية إلى تقليص عملياتها تدريجياً، في ظل صعوبات التمويل والوصول.
ويرى مراقبون أن التقرير يمثل توثيقاً خطيراً لحجم الانهيار الإنساني الذي يعيشه السودان، ويعكس التداخل المعقد بين الحرب والسياسة والأزمة الاقتصادية، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين خطر الجوع وسوء التغذية والنزوح، وسط عجز متزايد عن احتواء الكارثة المتفاقمة.
