ذهب مسموم يفتك بالمواشي .. مخاوف من كارثة بيئية تهدد سكان نهر النيل
في بلدٍ أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي، لم تعد الكارثة السودانية محصورة في ساحات القتال وحدها، بل امتدت إلى البيئة ومصادر الحياة نفسها. فحادثة نفوق أكثر من عشرين رأساً من الضأن بولاية نهر النيل بعد شربها من أحواض تُستخدم في استخلاص الذهب بمواد شديدة السمية، أعادت تسليط الضوء على الخطر المتصاعد للتعدين الأهلي والعشوائي، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى تهديد مفتوح لصحة الإنسان والحيوان والبيئة معاً.
متابعات – بلو نيوز
في السودان، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار الاقتصادي وتراجع مؤسسات الدولة، تبدو الكوارث البيئية وكأنها الوجه الآخر للصراع غير المرئي. فبينما تنشغل البلاد بأخبار المعارك والنزوح والانهيار الخدمي، تتوسع في الظل أزمة أخرى أكثر بطئاً، لكنها لا تقل خطورة: التلوث البيئي الناتج عن التعدين الأهلي والعشوائي.
حادثة نفوق عشرات المواشي في ولاية نهر النيل بعد شربها من أحواض تُستخدم في استخلاص الذهب، لم تكن مجرد واقعة معزولة، بل إنذاراً جديداً يكشف حجم الفوضى التي تحيط بقطاع التعدين التقليدي في السودان. فالمواد المستخدمة في عمليات التخمير الكيميائي، مثل السيانيد والثيوريا، تُعد من أخطر المواد السامة عالمياً، ورغم ذلك تُستخدم في كثير من مناطق التعدين دون رقابة فعلية أو اشتراطات سلامة واضحة.
وتكشف شهادات السكان المحليين أن أحواض التخمير المكشوفة باتت جزءاً من المشهد اليومي في مناطق التعدين، حيث تُترك المواد السامة في العراء بالقرب من القرى ومسارات الرعاة ومصادر المياه، ما يجعل احتمالات التلوث أو نفوق الحيوانات أمراً متكرراً لا استثنائياً.
وخلال السنوات الماضية، تصاعدت التحذيرات من التوسع الكبير للتعدين الأهلي في ولايات نهر النيل والولاية الشمالية والبحر الأحمر، وسط شكاوى متزايدة من استخدام المواد الكيميائية خارج الأطر الرسمية وبعيداً عن أي معايير للسلامة البيئية والصحية.
وقد وثّقت تقارير محلية ومنظمات بيئية حوادث متكررة لنفوق المواشي وتضرر الأراضي الزراعية، في مؤشر واضح على أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحوادث فردية، بل أصبحت نمطاً متكرراً يهدد المجتمعات المحلية بصورة مباشرة.
ويحذر مختصون من أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نفوق الحيوانات، بل في احتمالات تسرب هذه المواد السامة إلى المياه الجوفية والسطحية، ما قد يؤدي إلى آثار صحية بعيدة المدى على السكان، في بلد يعاني أصلاً من انهيار واسع في النظام الصحي وضعف إمكانيات الاستجابة للكوارث البيئية.
وفي بيان صدر بتاريخ 22 مايو، حمّلت شبكة أطباء السودان وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية مسؤولية استمرار ما وصفته بـ”الممارسات الخطيرة”، مشيرة إلى أن المعلومات الأولية تؤكد تسبب المياه الملوثة بالسيانيد والثيوريا بصورة مباشرة في نفوق المواشي.
وأكدت الشبكة أن غياب الرقابة الصارمة شجع على استخدام المواد السامة بطرق عشوائية، محذرة من أن استمرار هذه الممارسات قد يقود إلى كوارث صحية وبيئية واسعة، وداعية إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف وإيقاف عمليات التخمير الكيميائي غير الآمنة.
لكن الأزمة تبدو أعمق من مجرد حادثة بيئية. فالتعدين الأهلي في السودان تحول خلال السنوات الأخيرة إلى اقتصاد موازٍ ضخم، يعتمد عليه آلاف المواطنين كمصدر دخل في ظل انهيار القطاعات الإنتاجية الأخرى. ومع غياب الدولة عن مساحات واسعة من البلاد بسبب الحرب، باتت الرقابة شبه معدومة، بينما تعمل مجموعات وشركات كثيرة دون تراخيص واضحة أو التزام فعلي بالمعايير البيئية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو معالجة الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد إغلاق أحواض أو مصادرة مواد كيميائية، لأنها ترتبط ببنية اقتصادية كاملة نشأت في ظروف الحرب والانهيار، وبضعف المؤسسات، وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، وغياب المساءلة.
وفي النهاية، فإن حادثة نفوق المواشي في نهر النيل لا تكشف فقط عن خطر بيئي عابر، بل تعكس صورة أوسع لدولة منهكة تتراكم فيها الأزمات على كل المستويات؛ حرب تمزق البلاد، واقتصاد هش، وقطاعات تعمل بلا ضوابط، ومواطنون يدفعون ثمن الفوضى في تفاصيل حياتهم اليومية.
وبينما تستمر الحرب في استنزاف السودان، تتوسع الأزمات البيئية بصمت، لتضيف طبقة جديدة من المعاناة إلى واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
