ابوبكر عبدالرحمن: عُقّدة المركز المأزوم : في الرد على بوست معمر موسي!!
ابوبكر عبدالرحمن | الأمين العام لـ حركة تحرير السودان الديمقراطية.
على مدى عقود من عمر الدولة السودانية الحديثة (ما بعد التركية)، ظلّت “عقدة المركز” الإقصائية هي الداء العضال الذي ينهش جسد السودان ويمنع تقدمه، وهذه العقلية الريعية المستبدة التي ظلت تحتكر الثروة والسلطة وصناعة الوعي الثقافي، ثم تلجأ وبكل صلف لفرز الناس جينياً وثقافياً لتبرر فشلها البنيوي والتنموي هي اعلان صريح بنهاية فشل المشروع النخبوي وما منشور المدعو معمر موسى إلا انعكاس صارخ لهذا الإفلاس الأخلاقي والمعرفي المتدثر بالإستنارة.
معمر، وهو ابن مدرسة الفلسفة الذي عاصرناه عندما كان يحاضر مريديه في “تيار المستقبل” على رصيف (شارع_المَين) بجامعة الخرطوم، وفي جنبات وسوح مقهى “أتني” بالسوق العربي، هناك حيث تُصنع النجومية الزائفة؛ سقط اليوم سقوطاً فجاً في فخ التأثر بالمركز النيلي الاستعلائي الذي ينطلق منهه.
لقد ظل الرجل حبيس فكره العقائدي الايدلوجي الضيق وهو تفكير مجموعة الأخوان المسلمين، فهو لم يكن يوماً مؤمناً بالتنوع كثراء للدولة أو بقيم المواطنة المتساوية، بل كان يتدثر بشعارات القومية لنصب سياج حول مائدة تكسبه السياسي.
لقد ارتبط به مصطلح “القوى الإرثية” بشكل وثيق، حتى بات هذا المصطلح لصيقاً به دون غيره؛ وقد ظل يستخدمه لوصف البنية النخبوية القديمة التي تغولت باسم “الأسبقية الحضارية” المتوهمة على السودانيين وظلمتهم تاريخياً وهي ذات النخبه التى لمح لها في إشارة خبيثة كما ورد في البوست.
كُثر لا يدركون تاريخ دارفور ومعمر منهم، فهو جاهل تماماً بإسهاماتها الممتدة في شتى مناحي الحياة؛ وهذه هي ذات عقدة النقص التى ظلت توزعها النخب النيلية على الدوام، تصدير الإقليم كمربع فراغ فوضوي للسودان ليأتى اتباع النخبة التي تقتات على فتات امتيازاتها لتبرير أفعالها.
إن هذه الحرب اللعينة ومن فضائلها القليلة والمُرّة للأسف، أنها عرت جميع أدعياء القومية وعلى رأسها قيادات في الجيش المختطف كانوا يقدمون أنفسهم كشخصيات عامة تطرح فكراً متقدماً لخدمة السياسة السودانية، فإذ بهم ينحدرون في أول منعطف إلى قاع العنصرية والابتذال الشائه، مشهرين إساءاتهم لشرائح عريضة ومجتمعات لها ثقلها ووزنها التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي في السودان.
نحن نتحدث عن مجتمعات أنجبت زعامات وطنية وفكرية وسياسية فذة، قبل وبعد الاستقلال، وقدمت تضحيات جسام في خدمة المركز وبناء اللبنات الأولى للسيادة الوطنية؛ من شاكلة السلطان علي دينار، وعبدالله التعايشي، ومن جيل الاستقلال الرمز عبد الرحمن دبكة، والزعيم إبراهيم دريج، وأحمد إبراهيم دريج، والدكتور عقيل أحمد عقيل اول وكيل وزارة خارجية وعميد المحاميين العرب في الوطن العربي 1953، والقيادي الفذ منصور عبد القادر، والبرلماني الجسور محمد المكي، والباشمهندس آدم مادبو، وصولاً إلى الدكتور والقائد خليل إبراهيم.
ومثلما هزت عقول هؤلاء الأفذاذ كبرياء المركز السياسي المأزوم، صاغ أدباؤها ومبدعوها أيضاً وجدان هذا الوطن ووعيه الفني والجمالي والعالمي. إن المركز الثقافي الذي يتبجح به معمر، استمد شرعيته الإبداعية من مداد كتاب وفلاسفة دارفور وروائييها الأفذاذ واولهم أول روائية سودانية وهي ابنة الفاشر ملكة الدار عبدالله (1970) صاحبة الرواية الشهيرة “الفراغ العريض” والروائي عبد العزيز بركة ساكن، والكاتب إبراهيم إسحق؛ وآمال عباس اول صحفية تتولى رئاسة جريدة بعد الاستقلال.
وكما تتردد أصداء الهوية السودانية نغماً وشعراً صاغه ملحنو دارفور وشعراؤها الكبار الذين رفدوا الساحة القومية بروائع خالدة، وعلى رأسهم إبن الجنينة وشاعر افريقيا محمد مفتاح الفيتوري صاحب قصيدة “أصبح الصبح ولا السجن” والتي لحّنها وتغنى بها محمد وردي، والشاعر مصطفى عبد الرحيم، وابن الفاشر الدبلوماسي والشاعر بحر الدين عبدالله، والملحن القدير يوسف السماني، وتكتمل هذه اللوحة الإنسانية بالجميل وسفير دارفور الفني والثقافي عمر إحساس.
من كل هذا التاريخ الحافل والبارز أنه ولمن المبكي حقاً ان يتحدث عن “الانحطاط والثقافة التدميرية لدارفور” شخصٌ تشكّل وعيه السياسي القاصر بين جدران المقاهي وصوالين الخرطوم المخملية، أن رجالات دارفور هم من صنعوا استقلال هذا البلد وحموا سيادته، وأن عقولاً بوزن الدكتور خليل إبراهيم هي التي فككت بنية المركز وعرّت تهافته، وأن وجدان السودان بشماله وجنوبه وشرقه وغربه اهتز طرباً ووعياً وإنسانيةً على إبداعات، وألحان، وروايات، وقصائد أبناء الهامش؛ هؤلاء الذين علموا المركز كيف يكون الفن والأدب رسالة حياة وبناء قبل ان ينتقم المركز من كل هذا الجمال ليحول دارفور وكل الهامش إلى مجرد بقعة تصلح لتكرير الدماء وافراغ الفوضى.
أن يسقط مثقف يدعي الاستنارة في مستنقع “الفرز الجيني والجهوي” ليبرر الفشل البنيوي والتنموي للمركز، هذا دليل قاطع على أن الأزمة السودانية لم تكن يوماً أزمة جهل في الأطراف، بل هي أزمة عقول مأزومة ومريضة تقبع في المركز، تعيش على وهم الأفضلية العرقية وتقتات على خطابات الكراهية السامة، وقد جرّدتهم هذه الحرب من كل شيء وهذا نهاية إفلاس مشروعهم الثقافي الذى ظلم الشعوب السوداني.
