صباح محمد الحسن تكتب اطياف :تزييف !!!

1
sabah

صباح محمد الحسن

طيف أول:

قد لا يصلح كلُّ اعتذار ما أفسدته لحظة استهانة.

وقالت وزارة الخارجية السودانية إن سفير السودان لدى جنوب أفريقيا، عثمان أبوفاطمة آدم، أكد خلال جلسة استماع مشتركة بالبرلمان الإفريقي أن تحقيق السلام في السودان يتطلب معالجة التدخلات الخارجية وتعزيز الحلول الأفريقية بقيادة وملكية سودانية.

وأضافت الوزارة أن السفير أوضح أن الحرب اندلعت عقب رفض قوات الدعم السريع تنفيذ الترتيبات الأمنية والاندماج في الجيش، مشيرًا إلى التداعيات الإنسانية للنزاع وجهود الحكومة في إيصال المساعدات، ومحذرًا من استمرار حصار مدينة الأبيض.

كما جدد السفير موقف السودان بشأن ما وصفه بالدعم العسكري والمالي واللوجستي الذي تتلقاه قوات الدعم السريع، داعيًا إلى وقف تدفق السلاح والتمويل والمرتزقة، ودعم سيادة السودان ووحدة أراضيه، وتعزيز التعاون الأفريقي لمكافحة تهريب الأسلحة والإرهاب، وحشد الدعم لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وما قاله السفير السوداني في البرلمان الإفريقي حول أسباب اندلاع الحرب يعكس رواية رسمية انتقائية تتجاهل الحقائق الأساسية التي وثّقتها الاتفاقات السياسية نفسها.

فالقول إن الحرب اندلعت بسبب “رفض قوات الدعم السريع تنفيذ الترتيبات الأمنية والاندماج في الجيش” ليس صحيحًا ولا يستقيم مع الوقائع، لأن الوثيقة التي تضمّنت الإصلاح العسكري ودمج القوات العسكرية هي الاتفاق الإطاري الذي وقّع عليه حميدتي، بينما كان الرافض لها هو البرهان، وهدد الكيزان بقولهم: “لن نسمح بالاتفاق الإطاري لأنه محاولة لتفكيك القوات المسلحة”.

هذه الجملة وحدها تكشف حجم التناقض في رواية السفير وتنسف ادعاءه.

فالاتفاق الإطاري الذي تضمّن الإصلاح العسكري رفضته القوى التي كانت تحيط بالجيش وتسيطر عليه وما زالت، وهي الحركة الإسلامية التي أعلنت موقفها صراحة وتوعدت بالحرب، لأن الإطاري كان يمسّ شبكات نفوذهم داخل الجيش، وقدرتهم على استخدام المؤسسة العسكرية كأداة سياسية، وامتيازاتهم التي بنوها خلال ثلاثين عامًا، لذلك رفضوا أي مسار يعيد الجيش إلى ثكناته ويُخرج السياسة من البزة العسكرية.

وقفوا ضد الإطاري، الإصلاح العسكري، ودمج القوات، وضد أي خطوة تعيد بناء الدولة على أسس جديدة.

فالسفير يمكنه، من موقعه داخل النظام، أن يكرر الرواية الرسمية كما يشاء، وأن ينسجم مع خطاب الكيزان بحكم الانتماء أو الولاء أو الضرورة الوظيفية.

هذا مفهوم داخل دائرة السلطة، وداخل الإعلام الحكومي، وغرف القرار التي لا تُحاسب من يزوّر الوقائع.

لكن أن يقف بصفته سفير السودان أمام البرلمان الإفريقي، وأن يقدّم رواية يعلم هو قبل غيره أنها غير صحيحة، فهذه ليست مجرد دعاية سياسية…

هذه خيانة دبلوماسية وتزييف.

ولم يكتفِ الرجل بتزوير الحقائق، بل دعا الدول إلى وقف تدفق السلاح والتمويل والمرتزقة، ودعم سيادة السودان ووحدة أراضيه. أي أن السفير ليس لديه مانع أن تقدّم أي دولة دعمًا للجيش لتستمر الحرب ويموت المواطنون، طالما أنه يرى ضرورة استمرار “سيادة السودان”، وقد تحدثنا من قبل عن أن الحفاظ على سيادة السودان يقصد به  في فقهم الحفاظ على سيادة البرهان ومجلسه.

وحين يختار السفير أن يقدّم خطابًا منحازًا يناقض الوثائق، ويناقض التاريخ القريب، ويناقض ما قاله الكيزان أنفسهم، فهو لا يدافع عن السودان، بل يدافع عن رواية جماعة سياسية.

وحين يقدّم هذه الرواية في محفل إفريقي رسمي، فهو لا يضلّل الداخل فقط، بل يضلّل القارة كلها.

ووفق رواية السفير، إن كان الدعم السريع هو الذي رفض الإصلاح المؤسسي، فهذا يعني أن الجيش حاول تنفيذ الإصلاح وتطبيق الاتفاق، فواجه رفضًا، ثم اندلعت الحرب. لكن ألا يعني هذا ضمنيًا أن الجيش يصبح هو المبادر بالهجوم لأنه يريد فرض الدمج بالقوة؟

وهذه نقطة ليست في صالح الجيش.

والسفير عثمان أبوفاطمة ليس جديدًا على تزييف الحقائق فهذا الرجل، بعد انقلاب 25 أكتوبر مباشرة، حاول أن يرسل خطابًا للسفارة البريطانية ليحلّ محل المندوب الدائم الذي رفض الاعتراف بالانقلاب. وكان المندوب قد طلب عقد جلسة خاصة للسودان، لكن أبوفاطمة طلب إلغاء الجلسة.

غير أن الخطاب كان بلا توقيع، فرفضته السفارة البريطانية، بل وزّعت خطابًا على كل الدول الأعضاء تطالب فيه بعدم الاعتراف بذلك الخطاب لأنه لا يحمل توقيع المندوب الشرعي في حكومة حمدوك. كانت وقتها فضيحة دبلوماسية.

والأغرب من كل ذلك أن خبرة أبو فاطمة تمتد منذ عهد البشير، مرورًا بحكومة الفترة الانتقالية، وصولًا إلى الانقلاب. ولا أدري لماذا لم يشمله كشف لجنة التفكيك في السلك الدبلوماسي، رغم أنه جزء من شبكة الولاء القديمة للتنظيم.

طيف أخير:

ينظر الكونغرس الأمريكي بشأن السودان في قانونين: الأول منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان” في مجلس الشيوخ، والثاني “قانون مشاركة الولايات المتحدة في السلام السوداني”.

وقد يجيز تشريع مجلس النواب الأمريكي دعم الحكومة الأمريكية لقوة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو قوة متعددة الجنسيات في السودان.

إذن، مشروع قانون النواب يمهّد الطريق لتدخل قوات حفظ سلام دولية في السودان، إذا توفرت الظروف الدولية المناسبة.

What do you feel about this?