مجاهد بشرى: من الذي عليه ان يصبر يا برهان؟
مجاهد بشرى
خرج البرهان اليوم ليخاطب السودانيين طالباً منهم الصبر والتحمل في مواجهة انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وكأن المشكلة مجرد ابتلاء عابر نزل من السماء، لا نتيجة مباشرة لحرب أشعلتها السلطة وأصرت على استمرارها رغم كل ما جرّته على البلاد من خراب.
لكن قبل أن يطلب من الناس الصبر، يحق للسودانيين أن يسألوا: من الذي يصبر فعلاً؟ هل يصبر المواطن الذي يقضي ساعات يومه بين صفوف الخبز والوقود؟ أم النازح الذي فقد منزله ومصدر رزقه وأصبح يعيش في معسكر أو دولة أخرى؟ أم المريض الذي يبحث عن دواء فلا يجده؟ أم الطالب الذي يحاول الدراسة على ضوء هاتفه بعد أن أصبحت الكهرباء زائراً خجولاً نادراً؟
البرهان يتحدث عن تحمل المعاناة، بينما يتنقل بين المطارات والطائرات والمروحيات التي لا يبدو أن أزمة الوقود قد وصلت إليها بعد، ويطلب من الناس التعايش مع الظلام، بينما لا يعرف أحد متى انقطعت الكهرباء آخر مرة عن القصور والمقار السيادية التي يجلس داخلها، ويحدث السودانيين عن ضرورة الصبر، بينما في اسطنبول و الدوحة وماليزيا تعيش أسرته وأسر كبار قادة الجيش بعيدا عن الظروف التي يطالبون الآخرين بتحملها.
والأكثر إثارة للانتباه أن الرجل يكرر دائماً أن الله والشعب معه، أما عن الشعب، فالأرقام نفسها تستحق التأمل، 10 ملايين من النازحين داخل السودان وخارجه، ومدن كاملة تحولت إلى ساحات قتال، وأسر تفرقت بين دول العالم، واقتصاد ينهار يوماً بعد يوم، فإذا كان هذا هو حال الشعب الذي يقف معه، فكيف يكون حال الشعب الذي يقف ضده؟
ثم إن حديث السلطة عن الصبر يظل ناقصاً ما لم يبدأ من أصحاب السلطة أنفسهم، لأن من السهل أن تطلب من الآخرين شد الأحزمة وأنت لا تشعر أصلاً بضغط الحزام، ومن السهل أن تدعو الناس لتحمل انقطاع الكهرباء وأنت تنظر إلى الأزمة من نافذة طائرة خاصة، ومن السهل أن تطالب المواطنين بالتضحية بينما لا تظهر أي علامة على أن من اتخذوا قرارات الحرب مستعدون لدفع أي جزء من ثمنها.
المفارقة أن المواطن السوداني لم يعد يُطلب منه فقط أن يتحمل الحرب، بل أن يتحمل نتائجها أيضاً، ثم أن يشكر من تسببوا فيها، وعليه أن يصدق بأن كل ذلك من أجله وأجل كرامته، وكأن المطلوب من الضحية أن تدفع فاتورة الكارثة وأن تصفق في الوقت نفسه لمن أرسلها إليها.
لكن هذه هي مشكلة الدكتاتوريين الذين يبتعدون كثيراً عن حياة الناس، بعد فترة يصبح انقطاع الكهرباء خبراً يقرأونه في التقارير، لا واقعاً يعيشونه. ويصبح شح الوقود رقماً في الإحصائيات، لا أزمة يقفون بسببها في الصفوف، وتصبح معاناة المواطنين مجرد مادة للخطابات، لا تجربة يومية يشعرون بها.
لهذا لا يبدو مستغرباً أن يخرج البرهان مطالباً الشعب بالصبر، فالحاكم الذي يسافر فوق الغيوم قد لا يرى حجم المعاناة على الأرض، وقد لا يدرك أن الناس لم يعودوا يسألون متى تنتهي أزمة الكهرباء أو الوقود، بل أصبحوا يسألون سؤالاً أبسط بكثير: متى ستنتهي هذه الحرب؟
#ماعدا_المؤتمر_الوطني
