د. خالد عبيد: لن تَرْعَوِيَ مِصْرُ إِلَّا بِإِظْهَارِ العَيْنِ الحَمْرَاءِ

1
khalid

“الدول ليس لها أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل لها مصالح دائمة”.

    هنري جون تمبل

 

د. خالد عبيد  – لندن

 

مصر التي لم يُسجَّل لها انتصارٌ في حرب خاضتها، والتي يشهد التاريخ بأن أممًا شتى تعاقبت على احتلالها دون مقاومة تُذكر، قد يكتب عنها يومًا أنها خاضت أول حرب خارج حدودها، مستخدمةً أحدث الطائرات وأعتى أدوات القتال، ضد معدّنين سودانيين عُزّل يومي   17 و18 يونيو/حزيران 2026.، لم يكن في أيديهم سوى معاول يضربون بها الأرض بحثًا عن لقمة العيش.

في عام 1883، حين كانت الخرطوم مدينةً تقف بين نهرين وتحدّق في الأفق كمن ينتظر نبوءة قديمة، أرسلت الحكومة المصرية إلى السودان حملةً عسكرية يقودها ويليام هكس، الذي سيعرفه الناس لاحقًا باسم هكس باشا. كان الهدف المعلن واضحًا وصارمًا: القضاء على ثورة محمد أحمد المهدي التي كانت تكبر في الغرب مثل نارٍ تتغذى من الريح.

انطلقت الحملة من الخرطوم متجهةً إلى كردفان. مضى الجنود عبر سهول مترامية، تخترقهم شمس السودان الحارقة نهارًا، ويبتلعهم صمتٌ كثيف ليلًا. كانوا يظنون أنهم يسيرون إلى معركة واحدة، ولم يدركوا أنهم يسيرون، خطوةً بعد أخرى، إلى مصير كُتب لهم قبل أن يرفعوا بنادقهم.

كانت الأرض هناك تبدو ساكنةً على نحوٍ يبعث على الريبة؛ أشجار السنط تقف كحرّاسٍ عجائز، والوديان تحتفظ بأسرارها، والريح تحمل أصواتًا بعيدة لا يعرف أحد إن كانت همسًا أم إنذارًا. ثم جاء نوفمبر/تشرين الثاني 1883، وجاءت معه معركة شيكان.

هناك، في تلك الأصقاع من كردفان، انطبقت الأرض على الحملة كما ينطبق البحر على سفينةٍ ضلّت طريقها. خرج رجال المهدي من الفيافي ومن بين الأشجار ومن قلب الغبار نفسه، حتى بدا كأن الصحراء قد قررت أن تحارب. وفي ساعات قليلة، تحوّل الجيش الكبير إلى شتات؛ قُتل هكس باشا، وسقط معه معظم أفراد حملته، وانطفأت أحلام النصر تحت سماء شيكان.

ولم تكن تلك الهزيمة مجرد معركة خاسرة، بل كانت نقطة انعطاف في تاريخ السودان. فمن بين رمال شيكان ودمائها، أخذت الدولة المهدية طريقها إلى السيطرة على معظم البلاد، فيما بقيت حملة هكس باشا في الذاكرة بوصفها واحدةً من أكبر الهزائم العسكرية التي تعرضت لها الإدارة المصرية في السودان خلال القرن التاسع عشر؛ هزيمةً لم تبتلع الرجال وحدهم، بل ابتلعت أيضًا يقين إمبراطوريةٍ كانت تظن أن الخرائط تُرسم بالقوة وحدها.

إن مصر، ومعها حلفاؤها من نخب الشمال النيلي التي دأبت على الاستئساد بالسودان والسودانيين، لم تُبدِ يومًا استعدادًا للتراجع أو المراجعة إلا حين تُواجه بالعين الحمراء. ((وتحارب بادواتها ))

وفي هذا المقام، لم تترك مصر للفريق محمد حمدان دقلو، سوى طريق واحد: أن يرد الشر بشرٍّ يوازيه.  ففي ((العبرانيون ))بابٌ مفتوح، يلوذ به من أراد أن يصد عن نفسه الخبث والخساسة والمكر وشرور السياسات  المصريه الرسمية.

فالتاريخ، مثل نهرٍ قديم لا ينام، لا يتوقف طويلًا عند المترددين، ولا يذرف دمعةً على الضعفاء. إنه يمضي، تاركًا وراءه من عجزوا عن حماية أنفسهم، ويحتفظ في صفحاته بمن عرفوا، في اللحظة الفاصلة، كيف يرفعون رؤوسهم في وجه العاصفة.

أما دعاوى الأمم المتحدة، فأظن أن ترامب رأى فساد بعض لجانها، وهو ما دفعه إلى قطع الدعم المادي عنها. ومصر، كما يرجح كثيرون، لا تألو جهدًا في استمالة نافذين دوليين وإقليميين لليِّ عنق الحقيقة؛ ولقد فعلت ذلك، وفق وجهات نظر محللون سياسيين ، مع السيناتور منديز، الذي أُدين في قضايا فساد ورشوة وفقًا لأحكام المحاكم الأمريكية.

والآن، تعلم  الأمم المتحدة ولجنة تقصي الحقائق إن 80% من سكان الأبيض هم أهلك وحواضنك، وإنك قادم لتحريرهم من قبضة الترويع ومن مُلك الإسلاميين العضوض.

فالتاريخ والعالم لا يعترفان إلا بالأقوياء؛ فإن رأيا رأفةً أو هشاشةً أو ضعفًا، لداساك بسنابكهما ورقصا على أشلائك.

واعلم أن أعداءك متربصون بك ليل نهار، يريدون أن يوردوك موارد الهلاك، ويجتهدون في إلحاقك بالدكتور جون قرنق.

What do you feel about this?