صفاء الفحل تكتب (عصب الشارع) : الورقة السعودية

2
safaa

صفاء الفحل

كل الذين انضموا لمعسكر (البرهان) في الفترة الأخيرة بعد زيارتهم للسعودية لم يكن الأمر بقناعة ذاتية أو نزعة وطنية، بداية من السافنا وأمجد فريد نهاية بفارس النور وغيرهم، كانوا (مدفوعي الثمن) ضمن صفقة سعودية لإعادة تقديم الجنرال البرهان بوصفه واجهة مدنية لنظام سياسي جديد تسعى السعودية لصناعته بناءً على وعد من البرهان لها بأنه سيعمل على (ضرب) الجماعات الإسلامية إذا ما حصل على حاضنة سياسية مدنية (مقنعة) لتكون بديلاً لهم، وقال بأنه لا يستطيع التخلي عنهم في الوقت الحالي إذا لم يحصل على ذلك البديل، وهذا ما حاولت السعودية إقناع شخصيات بارزة من ائتلاف (صمود) بقيادة عبد الله حمدوك إلى جانب عدد من التكنوقراط به، إلا أنها صدمت بأن تلك المجموعات ترفض تماماً الأمر من حيث المبدأ؛ لارتباط (البرهان) بالحرب والقمع والدم، ثم إنه امتداد للأنظمة العسكرية التي ترفضها تلك المجموعة بل والشعب كله، ولا يمكن بحال تقديمه باعتباره ضماناً لمرحلة انتقال مدنية، واعتبرت أن مجرد الفكرة تبدو بالنسبة إلى كثير من المدنيين السودانيين والقوى السياسية ليس فقط غير واقعية بل (مستفزة) ومرفوضة.
والسعودية لم تكتفِ بلعب دور الوسيط، بل تعمل على عدم الضغط على البرهان، وعملت ألا تكون هناك إدانة دولية أو عربية للعملية التي نفذتها مصر داخل الأراضي السودانية مع صمت حكومي سيهز شخصية البرهان العاجز، واقتربت سابقاً من دفع قيمة صفقة أسلحة له من باكستان لولا التدخل الأمريكي.
ويبدو أن السعودية لا تود الدخول كلاعب مباشر في الأزمة وتتشتت رغباتها ما بين صناعة (حكومة مدنية) على ألا يكون الدعم السريع أو المجموعات الإسلامية جزءاً منها، والتخوف من انهيار الحكومة العسكرية الحالية تخوفاً من تمدد الدعم السريع، وأن المنطق السعودي في ذلك يبدو واضحاً خاصة بعد تعثر مسار جدة وبدء نفاد الصبر الدولي، ولا يمكن استئناف المفاوضات وإعادة وضع البرهان كبديل عبر صناعته كواجهة مدنية ضرورية في هذه المرحلة، ليس كاستراتيجية (سلام) بقدر ما هي عملية هندسية سياسية تحاول معالجة أزمة الشرعية المتعسرة وسط الصراع بين (البرهان وحميدتي).
والتحليل السعودي للأزمة السودانية لا ينطلق من سوء نية، بل من عدم قدرتها على قراءة الشارع السوداني ومدى الرفض المحيط بالبرهان؛ إذ أن قائد الجيش ليس وسيطاً محايداً خرج من فوضى الحرب، بل يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز صانعيها، وهي تعلم عدم رغبة الجنرالات في رقابة مدنية حقيقية، وأن قبوله للمقترح السعودي ما هو إلا مناورة مرحلية سيتراجع عن الالتزام بها مستقبلاً.
والسعودية (مشكورة) تحاول حل المشكل السوداني بعيداً عن المنصات الدولية وتحاول أن تجعل الأمر ممكناً رغم استحالته؛ فالبرهان الذي تحاول الرهان عليه مواجَه باتهامات متكررة بالعمل ضد جهود وقف إطلاق النار وعرقلة المفاوضات والمراهنة على الحسم العسكري بدلاً من التسوية، ومحاولات وضعه كواجهة لمشروع مدني يبدو بالنسبة إلى آلاف السودانيين الذين قُتلوا أو شُرّدوا أو عانوا من الجوع خلال الحرب يجعل منها محاولة مستحيلة.
وحتى لا تضع السعودية نفسها كشريك غير محايد عليها قراءة الواقع السوداني من وجهة النظر الشعبية بعيداً عن الإعلام الحكومي ومنصاته (المدفوعة)؛ فالشعب السوداني لن يقبل بتدوير الحكم العسكري، وأن الوعود التي يقطعها لها ما هي إلا وعود (كذوبة) في وقت يحاول فيه الخلاص من الضغط الدولي ومحاولة كسبها كحليف مرحلي، فهو لن يتخلى أو لن يستطيع التخلي عن المجموعات الإسلامية وهي أكثر من سيدفع الثمن مستقبلاً، خاصة أن تحالفاته مع إيران والنظام الحوثي لم ولن تتوقف.
تهنئة من العصب..
التهاني لكل الآباء على مستوى السودان وهم يتكبدون مشاق هذه الحرب اللعينة بمناسبة عيد الأب، وندرك أنهم لا يتذوقون طعم السعادة في هذا الواقع الأليم.. وأسأل الله الرحمة والمغفرة لوالدي في هذه الذكرى.
وثورة الوعي لن تتوقف.
والمحاسبة أمر لا بد منه.

What do you feel about this?