كيف صنع نظام الحركة الإسلامية الإرهابية أكبر كارثة في الإقليم؟
تقرير – صحيح السودان
شهدت الأوساط البحثية الدولية مؤخراً صدور حلقة تحليلية بالغة الأهمية حملت عنوان “أزمة القرن الأفريقي وأين يخطئ الغرب تماماً؟” (The Horn of Africa Crisis: The West is getting completely wrong)، والتي بُثت كجزء من برنامج “تضارب المصالح” (Conflicts of Interest) التابع لمنصة ACLED المرموقة (مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها).
ولم يقتصر انتشار هذه المادة الاستراتيجية على وسيلة إعلامية واحدة، بل ونظرا لأهميتها نُشرت عبر كبرى المنصات الرقمية العالمية مثل “يوتيوب”، و”أبل بودكاست”، و”أمازون ميوزك”، و”سبوتيفاي”، ما يعكس ثقل المادة وتأثيرها في الدوائر السياسية.
وأدارت النقاش البروفيسورة “كليونا رالي” (Clionadh Raleigh)، المؤسسة لـ ACLED، بمشاركة نخبة من خبراء المنظمة الإقليميين المتخصصين في ملفات السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال.
ويكتسب هذا المحتوى الذي رصدته “صحيح السودان” قيمته الاستثنائية من كونه لا يمثل مجرد رأي إعلامي عابر يبحث عن الإثارة، بل هو قراءة استراتيجية معمقة صادرة عن مؤسسة بحثية رائدة تعتمد كلياً على البيانات الميدانية الدقيقة لرصد وتحليل ديناميكيات الحروب وعدم الاستقرار حول العالم، لا سيما في الشأن السوداني الذي نال النصيب الأكبر من التحليل الهيكلي.
الفكرة الأساسية
تتمحور الفكرة الجوهرية التي طرحها الخبراء حول فرضية واضحة وصادمة، مفادها أن القوى الغربية فشلت في إيجاد حلول لأزمات القرن الأفريقي، بل وأن هذا الفشل هو في حقيقته فشلا بنيوياً في فهم جذورها وتفكيك شيفراتها.
فالتحليل الغربي السائد يميل باستمرار إلى رصد النتائج النهائية الظاهرة على السطح، مثل انفجار الحروب، وتفشي المجاعات، وتصاعد موجات النزوح، والانهيار الإنساني الشامل، بينما يتغافل تماماً عن تتبع المسببات الحقيقية والسؤال الجوهري حول من صنع البيئة الخصبة التي أنتجت هذه الكارثة أصلاً.
وعند إسقاط هذه الفرضية على الواقع السوداني، تتبدى حقيقة استراتيجية كبرى تتمثل في أن الكارثة السودانية الحالية لم تولد فجأة في الخامس عشر من أبريل لعام 2023، بل ضربت جذورها قبل ذلك بعقود طويلة بالتزامن مع صعود نظام الحركة الإسلامية السودانية الإرهابية، الذي تولى إعادة هندسة الدولة وتشكيلها على أسس التمكين السياسي، والهيمنة الأمنية، وتسييس المؤسسة العسكرية، فضلاً عن صناعة المليشيات الموازية وتفكيك المؤسسات الوطنية.
يرى الانفجار ويتجاهل زارع القنبلة!
إن أحد أقوى الاستنتاجات التي خلصت إليها الحلقة البحثية وفقاً لمتابعة “صحيح السودان” يكمن في نقد المقاربة التحليلية الغربية التي تبدأ دائماً من نقطة متأخرة، فهي تكتفي بمعاينة الانفجار دون البحث عمن زرع القنبلة.
وفي الحالة السودانية، يستحيل فهم أبعاد الحرب الراهنة بمعزل عن الإرث البنيوي المشوه الذي خلفه نظام الحركة الإسلامية؛ إذ إن ذلك النظام مارس القمع السياسي التقليدي، بل وعمد إلى إعادة صياغة هوية الدولة ومؤسساتها بشكل كامل.
وتجلى ذلك في إضعاف الجيش الوطني من خلال تسييس عقيدته، وتدمير الجهاز البيروقراطي والخدمة المدنية عبر سياسات “التمكين” القائمة على الولاء الحزبي، إلى جانب تحويل مفاصل الاقتصاد الوطني إلى شبكات مصالح مالية مغلقة، واستغلال الانقسامات القبلية والإثنية وتوظيفها كسلاح لإدارة السلطة، ما أدى تدريجياً إلى تحول الدولة من مؤسسة وطنية جامعة إلى منظومة سلطوية هشة محكومة بالولاء الضيق لا الكفاءة.
وفي سياق متصل، أوضح خبراء ACLED في الفعالية التي تابعتها “صحيح السودان” أن تعدد الفاعلين المسلحين جعل صراعات القرن الأفريقي شديدة التعقيد، ويمثل السودان النموذج الأكثر وضوحاً لتأكيد أن المليشيات هي منتج مباشر وسياسة ممنهجة و لم تظهر كحدث عارض؛ حيث ارتكزت العقيدة الأمنية للحركة الإسلامية الإرهابية على مبدأ في غاية الخطورة يتمثل في تفتيت احتكار السلاح وتجريد الجيش الوطني المحترف منه، وتوزيع القوة العسكرية بين كيانات موازية متعددة لضمان حماية النظام الحاكم.
وتدرجت هذه المنظومة من قوات الدفاع الشعبي، مروراً بما عُرف بـ “كتائب الظل”، وصولاً إلى الإستغلال والإنتهازية السياسية شديدة الوضوح للحركات المسلحة من إقليم دارفور التي تخلت عن الحياد، وشبكات التسليح الموازية التي خرجت كلها من المشكاة البنيوية ذاتها، لتبدو المفارقة التاريخية الصادمة في أن النظام الذي شيد هذه الأدوات لحماية بقائه، وضع بيده أدوات انهيار الدولة، وما يشهده السودان اليوم ليس مجرد صراع تقليدي بين جنرالين، بل هو الانفجار المتأخر لبنية أمنية وعسكرية مشوهة صنعها النظام السابق بنفسه.
تدويل الأزمة
شددت الحلقة التحليلية كذلك على أن أزمات القرن الأفريقي لم تعد شأناً محلياً مغلقاً، فكل صراع داخلي بات يملك قدرة سريعة على التحول إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود، وهو ما ينطبق تماماً على السودان بالنظر إلى موقعه الجيوسياسي الحرج الذي يمثل نقطة تماس استراتيجية تربط بين البحر الأحمر، وشمال أفريقيا، والساحل الأفريقي، فضلاً عن امتداداته نحو القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
وبناءً على هذا الموقع الحساس، فإن انهيار الدولة السودانية لم تنحصر آثاره داخل حدودها السياسية، بل تمددت سريعاً لتنتج نزوحاً جماعياً ضخماً، وتهديداً مباشراً لأمن الملاحة في البحر الأحمر، وتصاعداً حاداً في عمليات تهريب السلاح، وتنامياً للتدخلات الإقليمية التي أعادت رسم التحالفات العسكرية في المنطقة.
وأشارت مداولات الخبراء بوضوح إلى أن دولاً إقليمية عربية من بينها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أصبحت فاعلاً مباشراً ومؤثراً في معادلات القوة داخل إقليم القرن الأفريقي، في الوقت الذي تستمر فيه قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين في مراقبة المشهد بدقة وإعادة تموضعها الاستراتيجي للاستفادة من الموقف.
ومع ذلك، يرى محللو المنظمة أن هذا التشابك الخارجي المعقد لا يلغي الحقيقة الأساسية الكامنة في أن التدخلات الأجنبية تستغل الفراغ لكنها لم تخلقه، فالذي أوجد الفراغ ابتداءً هو انهيار الدولة من الداخل بفعل التخريب المنهجي الذي قاده نظام الحركة الإسلامية الإرهابية.
ومن هذا المنطلق، يبرز الخطأ الغربي الأكبر المتمثل في اختزال القضية السودانية المعقدة في مجرد “أزمة إنسانية”؛ فالغرب يرى الضحايا، والمجاعة، والمساعدات الإغاثية، وتدفقات اللاجئين، ويتعامل مع السودان كملف إغاثي إنساني بحت، وهي مقاربة قاصرة تمحو من المشهد الفاعل السياسي والعسكري الهيكلي الذي تسبب في هذه الكوارث، إذ لا يمكن علاج المعضلة السودانية عبر قوافل الإغاثة وحدها دون تسمية المسؤول التاريخي عن الانهيار ومحاسبته.
المسؤولية التاريخية
إن المسؤولية الأعمق عن المأساة السودانية الراهنة تقع على عاتق المشروع السياسي والعقدي الذي زرع بذور الانهيار على مدى أكثر من ثلاثة عقود؛ حيث تعمد نظام الحركة الإسلامية الإرهابية تدمير مؤسسات الدولة، وتقويض احترافية القوات المسلحة، وتشريع العنف كأداة وحيدة للحكم، بالإضافة إلى تأسيس اقتصاد حرب مشوه وبناء شبكات فساد وتمويل موازية مزقت النسيج الاجتماعي والوطني، ما يجعل الحرب الحالية نتيجة حتمية ومنطقية لسلسلة السياسات الماضية وليست حدثاً منفصلاً عنها.
وتكمن أهمية هذه الحلقة البحثية الصادرة عن ACLED التي رصدتها “صحيح السودان” في إعادة ضبط البوصلة التحليلية وتذكير المجتمع الدولي بأن فهم الأزمة بشكل صحيح يمثل الشرط الأساسي قبل الشروع في حلها، مفرقةً بين التفسير السطحي المضلل الذي يختصر الحرب في نزاع شخصي بين قادة عسكريين، وبين الحقيقة الاستراتيجية الأعمق التي تؤكد أن السودان يدفع اليوم ضريبة قاسية لعقود من التخريب البنيوي، فالبلاد لم تنهر بسبب الحرب
