شرق السودان على حافة توتر جديد .. عودة الحركات المسلحة تفتح ملف الصراع القبلي.
تثير عودة حركات مسلحة إلى شرق السودان مخاوف متزايدة من تجدد التوترات القبلية في إقليم يعاني هشاشة أمنية وإرثاً طويلاً من الصراعات الأهلية، وسط انتشار قوات ذات تكوينات قبلية في مناطق حساسة، وسجالات واسعة حول دورها المرتقب بين حماية الإقليم والانخراط في ترتيبات عسكرية أوسع
متابعات – بلو نيوز
أثار انتشار قوات تابعة لحركات مسلحة في شرق السودان مخاوف متزايدة من احتمال تجدد الصراع القبلي في الإقليم، في ظل حالة من الهشاشة الأمنية والتوترات الأهلية والسياسية التي ظلّت ترافق المشهد الشرقي خلال السنوات الأخيرة.
وجاءت هذه المخاوف عقب تداول مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر عبور جنود من حركة تحرير شرق السودان لكبري القاش، في خطوة اعتُبرت مؤشراً عملياً على عودة عدد من الحركات المسلحة من معسكراتها في إريتريا إلى داخل الإقليم، وفق تفاهمات مع الحكومة.
وبحسب المعلومات المتداولة، أعلنت أربع حركات مسلحة، بقيادة إبراهيم دنيا، ومحمد صالح، وموسى محمد أحمد، إعادة تمركزها في معسكرات بشرق السودان، مع استعدادها للانتشار في مختلف مناطق الإقليم، بينما كانت الحركة الوطنية بقيادة محمد طاهر بيتاي قد سبقت هذه الخطوة وعادت إلى البلاد في وقت سابق.
وتنضوي هذه الحركات تحت مظلة التحالف الفيدرالي لشرق السودان، الذي أُعلن عنه في فبراير الماضي، ويضم أيضاً حركة الأسود، في محاولة لتوحيد قوى مسلحة ظلت لسنوات خارج المشهد العسكري المباشر، وملتزمة بالحياد في الحرب الدائرة بالبلاد.
غير أن عودة هذه القوات تفتح الباب أمام أسئلة حساسة حول طبيعة الدور الذي ستضطلع به في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل نقاشات مطولة بينها وبين الحكومة بشأن مشاركتها في الحرب. وفيما ترى الحركات أن دورها يجب أن يقتصر على حماية الإقليم، دفعت الحكومة، بحسب مصادر سياسية، باتجاه مشاركتها في العمليات العسكرية، قبل أن توافق مؤقتاً على طرح الحركات بشأن حماية شرق السودان.
ويعكس هذا الجدل تعقيد المشهد الأمني في الإقليم، حيث تنتشر عدة تشكيلات مسلحة ذات تكوين قبلي واضح، بينها قوات الأورطة الشرقية التابعة للجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، وتحالف أحزاب وحركات شرق السودان، وأجنحة عسكرية لمؤتمر البجا، إضافة إلى قوات “نسور الشرق” التي انضمت مؤخراً إلى حركة العدل والمساواة.
ويرى مراقبون أن هذا التعدد المسلح، المرتبط بقبائل ذات تاريخ طويل من التنافس والصراع، يجعل أي تحرك عسكري داخل شرق السودان محل قلق واسع، خاصة أن الإقليم شهد خلال السنوات الماضية موجات عنف قبلي دامية أعقبت الخلافات حول مسار الشرق واتفاق جوبا.
وتزامنت عودة الحركات المسلحة مع توترات جديدة شهدها شرق السودان مطلع يونيو، شملت مطالبات بترسيم الحدود بين القبائل واتهامات متبادلة، ما دفع السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ، وتدخل رئيس مجلس السيادة وجهاز المخابرات للتوسط بين الهدندوة والبني عامر.
ورغم تأكيد القيادات الأهلية للقبيلتين عمق العلاقات بينهما عقب لقاءات المصالحة، فإن تزامن هذه التحركات مع انتشار القوات المسلحة يعكس، بحسب باحثين، حساسية الوضع ورسائل سياسية متبادلة ضمن صراع أوسع على النفوذ داخل الإقليم.
وقال الباحث أبو فاطمة أونور إن الطابع القبلي لشرق السودان يجعل أي أزمة تُقرأ باعتبارها تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، مشيراً إلى حالة القلق التي تسود الإقليم خشية تكرار الصراعات الدامية التي شهدها عقب التوقيع على مسار الشرق واتفاق جوبا.
وأضاف أن تسييس الإدارات الأهلية يمثل أحد أخطر عوامل التوتر، محذراً من أن انخراط القيادات القبلية في العمل السياسي يجعلها عرضة للنقد والهجوم، وقد يمتد أثر ذلك إلى القبيلة نفسها، بما يفتح الباب أمام اصطفافات وصراعات جديدة.
من جانبه، أشار مختار حسين، رئيس تجمع شباب البني عامر والحباب، إلى أن اللقاءات التي جرت بين وفدي القبيلتين ناقشت أحداث مسار الشرق، وتعيين صالح عمار، وقضايا ترسيم الحدود، والإساءات المتبادلة، إلى جانب تشكيل لجنة للوساطة بهدف تعافي الإقليم.
وفي ظل هذا الخليط من التحركات العسكرية، والتوترات القبلية، والرسائل السياسية المتبادلة، يقف شرق السودان أمام مرحلة بالغة الحساسية، قد تحدد طريقة إدارة انتشار الحركات المسلحة ومسار المصالحات الأهلية ما إذا كان الإقليم سيتجه نحو الاستقرار، أو يدخل في موجة جديدة من الصراع.
ويحذر مراقبون من أن أي فشل في ضبط الانتشار العسكري، أو عجز عن تحييد الإدارات الأهلية عن الصراعات السياسية، قد يعيد شرق السودان إلى دائرة العنف، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى حماية ما تبقى من السلم الأهلي وسط حرب أنهكت الدولة والمجتمع.
