وثيقة مسربة ونفي مرتبك .. جدل تعيين إدريس محمد يكشف أزمة القرار داخل حكومة بورتسودان
أثار الجدل حول تعيين السفير إدريس محمد وكيلاً لوزارة الخارجية السودانية موجة تساؤلات واسعة، بعد تداول وثيقة منسوبة لرئيس الوزراء كامل إدريس، أعقبها نفي رسمي من وزارة الإعلام. وبين الوثيقة المسرّبة وطريقة النفي، رأى مراقبون أن القضية كشفت ارتباكاً داخل هياكل الحكم وصراعاً مكتوماً حول القرارات السيادية.
متابعات – بلو نيوز
أثار بيان النفي الصادر عن وزارة الإعلام في حكومة بورتسودان بشأن تعيين السفير إدريس محمد وكيلاً لوزارة الخارجية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، ليس فقط بسبب تضارب المعلومات حول القرار، بل لأن طريقة النفي نفسها فتحت باباً أوسع للتساؤلات بشأن آلية صناعة القرار داخل السلطة التنفيذية.
وبدأ الجدل عقب تداول ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي خطاباً يحمل توقيع رئيس الوزراء كامل إدريس، يتضمن قراراً بتعيين السفير إدريس محمد وكيلاً لوزارة الخارجية، قبل أن يصدر بيان رسمي ينفي صحة القرار، رغم أن الوثيقة المتداولة بدت، من حيث الشكل والمضمون، مكتملة العناصر الرسمية.
وتفاعل الرأي العام مع القضية بصورة واسعة، بين مؤيد ورافض للتعيين، خاصة مع الإشارة إلى أن السفير إدريس محمد يُنظر إليه من قبل بعض المتابعين باعتباره قريباً من النظام السابق، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن رئيس الوزراء ربما تراجع عن القرار تحت ضغط سياسي أو اجتماعي.
وفي تعليق لافت، قال الصحفي مكي المغرب إنه يحتاج إلى “جرعة غباء” ليصدق أن جهة داخل الحكومة تصدر قراراً بينما تعطل جهة أخرى القرار نفسه، معتبراً أن المشهد يبدو وكأنه يُدار “بطقم واحد” وفق حسابات غير معلنة. وشبّه المغرب طريقة إدارة الملف بما سماه “الزواج بنية الطلاق، والتعيين بنية الإقالة”، في إشارة إلى قرارات قد تُتخذ دون نية حقيقية لتنفيذها، أو تُستخدم كورقة في صراعات داخلية.
من جانبه، رأى المحلل السياسي موسى عوض أن الدولة مطالبة بإثبات أن قراراتها السيادية لا تُدار بمنطق التراجع تحت الضغط، محذراً من أن التراجع عن تكليف وكيل الخارجية “لن يمر مرور الكرام”، وقد يفتح الباب أمام توترات جديدة في شرق السودان، في ظل حساسية التوازنات السياسية والاجتماعية المرتبطة بالإقليم.
أما الصحفي محمد حامد جمعة، فوصف طريقة النفي بأنها “مؤذية ومميتة”، خصوصاً أن وزارة الخارجية تحتاج إلى قدر عالٍ من الدقة والانضباط في إدارة قراراتها، حتى في حال وقوع خطأ أو سوء فهم. وتساءل جمعة عن جدوى إصدار بيان نفي إذا كانت وزارة الإعلام تقول إن صورة القرار “قد تكون اصطناعية”، بينما ينفي المكتب الصحفي لرئيس الوزراء وجود القرار من الأساس.
وأشار جمعة إلى أن السفير المعني لن يباشر عملاً في موقع لم يُعيَّن فيه رسمياً، وأنه حتى في حال صدور قرار ثم التراجع عنه، كان بالإمكان معالجة الأمر داخلياً دون بيانات علنية تزيد من الغموض. واعتبر أن الطريقة المرتبكة في التعامل مع القضية تعكس وجود صراعات وتجاذبات داخل الحكومة ووزارة الخارجية، أو تكشف عن سلطة تبدو شكلية أكثر من كونها قادرة على فرض قراراتها.
ويرى مراقبون أن هذه القضية، رغم ارتباطها بتعيين إداري، تحولت إلى مؤشر سياسي على هشاشة مؤسسات الدولة في لحظة شديدة الحساسية، حيث يمكن لوثيقة مسرّبة أن تربك المشهد العام، ويمكن لبيان نفي أن يوسع دائرة الشكوك بدلاً من حسم الجدل.
ويكشف الجدل المتصاعد حول تعيين إدريس محمد عن أزمة أعمق في طريقة صناعة القرار داخل السودان، في ظل واقع سياسي واقتصادي مضطرب يحتاج إلى مؤسسات أكثر اتساقاً وشفافية. كما يعيد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات واضحة ومستقرة، وإدارة الملفات السيادية بعيداً عن الارتباك والتجاذبات غير المعلنة.
