الجميل الفاضل: في السودان .. (صخرةُ الخضر): أَلَمْ تَجِدُوا رَبَّكُمْ بِالْمِرْصَادِ؟!
الجميل الفاضل
بعد يومين، تطلّ ذكرى التاسع عشر من يوليو 1971.
غير أن هذه الذكرى ليست موضوع هذا المقال، وإنما مفتاحه.
ففي السودان، ليست التواريخ مجرد أرقام تتراكم على جدار الزمن، ولا وقائع تُحفظ في دفاتر السياسة، إنما هي شقوقٌ صغيرة يطلّ منها عالم الملكوت على التاريخ، فتتكشف سننٌ لا تراها العيون المنشغلة بصخب الوقائع.
ولهذا، لا نقف اليوم عند التاسع عشر من يوليو بوصفه انقلابًا مضى، لكن بوصفه نافذةً نقرأ منها قانونًا ظل يتكرر كلما حاولت أيديولوجيا أن تمتلك هذه البلاد؛ فإذا بها ترتطم، في نهاية المطاف، بـ«صخرة الخضر».. هناك حيث تفقد حوتها، وينقطع أثرها، وتجد ربها بالمرصاد.
أيها المزدحمون بضجيج الميكروفونات، والمتنازعون على صكوك الحقيقة، والمتدثرون بأكفان الأيديولوجيا يمينًا ويسارًا.. هذه الأرض ليست كتابًا مفتوحًا لمن يقرؤها بعين القوة، إذ فيها سرٌّ عميق لمن يصغي إليها بقلب متواضع.
فالسودان، منذ أقدم أزمنته، ظل عصيًا على الاختزال؛ لا تسكنه فكرة واحدة، ولا تختصره راية، ولا يطاوع من يظن أن بإمكانه إعادة تشكيل روحه وفق مخطط مستورد.
ثمة ميزان خفي هنا.. ميزان لا يزن الجيوش، ولا يقيس صخب الشعارات، إنما يسأل سؤالًا واحدًا:
هل جاء القادم ليخدم هذه الأرض.. أم جاء ليستخدمها كرافعة أو منصة؟
في التاسع عشر من يوليو 1971، جاء اليسار العقائدي محمولًا على الحديد، مسلحًا بالبيان الثوري، يظن أن الإنسان السوداني يمكن إعادة صياغته كما تُعاد هندسة آلة.
قرأ الإنسان بعين المادة، بينما كانت الأرض تقرؤه بعين السرّ.
فهذا الشعب الذي سكنته طبقات من الوجدان الصوفي، والإيمان الفطري، وذاكرة الماء والنيل والروح، لم يكن جسدًا سياسيًا فارغًا ينتظر من يملؤه بفكرة مستوردة عابرة.
ولهذا كان ارتطام اليسار سريعًا.
إذ لم تحتج صخرة الخضر إلا ثلاثة أيام فقط حتى لفظت ذلك المشروع الذي ظن أن الدبابة والبيان يمكن أن يختصرا الطريق إلى قلب بروليتاريا السودان.
ثلاثة أيام فقط.. ثم عاد التاريخ إلى مجراه.
أما اليمين، فقد جاء من باب آخر.
لم يصطدم بالوجدان السوداني من الخارج، بل ارتدى ثوبه.
حمل العمامة، وأمسك السبحة، وردد شعارات تستعير لغة السماء، حتى بدا لكثيرين أن المقدس قد وجد أخيرًا طريقه إلى السلطة.
لكن صخرة الخضر لا تنخدع بالمظاهر.
هي تمهل.. ولا تهمل.
فكان لا بد للامتحان أن يطول، حتى تستنفد الخديعة كل أسبابها، وتبلغ الحجة تمامها.
ثلاثون عامًا كاملة.. حتى رأى الناس كيف يمكن للشعار السماوي، إذا انفصل عن الرحمة والعدل، أن يتحول إلى أداة للهيمنة والإقصاء، وكيف يمكن للحديث عن المقدس أن يفقد معناه حين يصبح جسراً لإشباع شهوتَي السلطان والجاه.
وكان السقوط بطيئًا.. لكنه كان أعمق أثرًا؛ لأنه لم يهدم نظامًا سياسيًا فحسب، إنما ترك جراحًا عميقة في روح البلاد كلها.
بيد من نسوا الله فأنساهم أنفسهم، كما أنسي قبلهم من نسوا اليوم ديالكتيكهم وماديتهم على قارعة طريق هذه الحرب.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات التاريخ السوداني إدهاشًا:
فالخصمان اللدودان، اللذان ظلا يتبادلان العداء عقودًا طويلة، التقيا ــ من حيث لا يريدان ــ عند المحطة نفسها.
ففي أعقاب ثورة ديسمبر، لم يرَ اليسار العقائدي في تجربة الانتقال المدني الديمقراطي أفقًا ينسجم مع مشروعه، فعمل على تجاوزها أو إسقاطها كما أعلن، سياسيًا وفكريًا.
ثم لم تمضِ سنوات حتى انتهى الإسلاميون أنفسهم، بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، إلى إسقاط ذات التجربة عمليًا، قبل أن ينحدروا بالبلاد إلى حرب أكلت من جسد الوطن وأثقلت أرواح أهله.
يا للمفارقة!، لقد اختلفت الرايات، وتناقضت الشعارات، وتبادل الفريقان لعنات التاريخ، لكنهما التقيا في النهاية عند نتيجة واحدة:
تعثر حلم السودانيين في بناء دولة مدنية تسع الجميع.
وبدا كأن صخرة الخضر لا تعبأ بأسماء الأيديولوجيات، ولا تنحاز إلى راية دون أخرى.
إنها لا تسأل القادم إليها: أأنت يساري أم إسلامي؟
بل تسأله: هل جئت تحمل السودان في قلبك.. أم جئت لحمل أوهامك التسلطية فوقه؟
ولعل أعجب ما في هذه البلاد أن حراسها الحقيقيين ليسوا أولئك الذين يحتلون المنابر، ولا الذين تتصدر صورهم نشرات الأخبار.
حراسها الحقيقيون هم أولئك الذين يعيشون في خمول السيرة، ويأنسون بالظل، ويهربون من ضجيج الصيت والجاه.
أناشيدهم تقول: «حب الرئاسة لا يليق بمن سلك هذا الطريق».
أولئك البسطاء الذين يملكون غنى الاستغناء، وفقر التواضع، وثراء النفس التي لم تُبع في أسواق السياسة.
هؤلاء هم الذين يحفظ الله بهم سر هذه الأرض.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يقول الفيتوري عن هذه البلاد: «أغنى أهليها سادتُها الفقراء».
إذ ليس الفقر هنا فقرًا إلى المال، لكنه غنىً عن التسلط، وتعففًا عن الغلبة، وانعتاقًا من شهوات النفوس، ومن رق العناصر، وحريةً من عبودية الكراسي.
ولهذا، كلما ظن المتصارعون أنهم أحكموا القبضة على السودان، انقلبت أيديهم على بعضهم، وصارت مؤامراتهم معاول تهدم بنيانهم بأيديهم.
وكأن هذه الأرض تسترد توازنها كلما اختل ميزانها.
وبالتالي ليس السؤال هنا: من انتصر؟
فالمنتصرون في السياسة كثيرًا ما يكونون هم المهزومين في التاريخ.
وليس السؤال: من كان على اليمين أو اليسار؟
فالرايات تتبدل، والأسماء تتغير، أما السنن فلا تتغير.
السؤال الوحيد الذي تطرحه هذه الأرض على كل قادم إليها هو:
هل جئت لتخدم السودان.. أم لتستخدمه كما تتوهم أو تظن؟
فإن جئت بالأولى، فتلك أرض تفتح لك قلبها.
وإن جئت بالثانية، فلن تمضي بعيدًا.
ستبلغ، عاجلًا أو آجلًا، تلك الصخرة ذاتها.. حيث تضيع الحيتان، وتسقط الأقنعة، وتخفت ضوضاء الأيديولوجيات، ولا يبقى للإنسان إلا صدقه.
قبل أن يجد نفسه أمام لافتة كُتب عليها بحبر سري:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
