خالد كودي: لا حياد في زمن التأسيس .. رد على بيان الحزب الشيوعي السوداني بشأن تحالف “تأسيس”!!

8
خالد كودي

خالد كودي، يوسطن.

أولًا: من يقرأ البيان… يسمع صدى الموقف القديم في رداء جديد:

يقدّم بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني الصادر في 3 أبريل 2025، نفسه باعتباره “تحليلًا نقديًا” لمجريات الحرب الجارية، وتحالفات السلطة، وميثاق “تأسيس” الموقّع في نيروبي الذي تم التوقيع عليه يوم الأحد 22 فبراير 2025. لكنه – رغم لغته النضالية – لا يُنتج البيان إلا استعادة مشوّشة لموقف الحياد السياسي المتواطئ، الذي يتوارى خلف نقد مزدوج لأطراف الحرب دون تقديم أي مشروع سياسي بديل. فالبيان لا يُنير، بل يُراوغ؛ لا يُحاكم، بل يُعيد إنتاج الجمود.

وكما قال ماركس:

“السياسة التي تحلل دون أن تنخرط، هي شكل من أشكال التواطؤ المؤجل”

فيما يلي، نقرأ اهم بنود البيان، لا لننفي بعض تحليلاته الموضوعية، بل لنفكك بنيته المنهجية التي تتهرّب من لحظة الاختيار الحاسم، وتعيد تموضع الحزب في موقع الآمن سياسيًا، المعطّل ثوريًا، الذي لطالما شكّل جزءًا من الحلقة التي يتظاهر أنه يريد كسرها!

ثانيًا: مفارقة التاريخ – من مائدة المفاوضات إلى مقاعد الحياد:

من اللافت – بل والمُدهش – أن يهاجم الحزب الشيوعي السوداني تحالف “تأسيس” بدعوى أنه “يحاول فرض ميثاق على الشعب”، بينما كان الحزب نفسه، وعلى رؤوس الأشهاد، أحد الأطراف المشاركة في إنتاج الوثيقة الدستورية لعام 2019، التي وُقّعت في قاعة الصداقة بالخرطوم يوم 17 أغسطس، بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، الذي كان يتكوّن حينها من قيادات الجيش وقوات الدعم السريع.

وقد جلس ممثل الحزب الشيوعي، المهندس صديق يوسف، على طاولة واحدة مع عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتبادل معهم المصافحات، ورفع – كغيره – النسخة الموقّعة من الوثيقة عاليًا أمام عدسات الكاميرات المحلية والدولية، محتفيًا باتفاق سياسي لم يُطرح حينها على “الجماهير للمناقشة”، ولم يُخضع لـ”مؤتمر دستوري”، ولم يُعرض على لجان المقاومة أو معسكرات النزوح، بل فُرض كـ”تسوية ضرورية” تحت مظلة توازنات إقليمية ودولية.

هنا تتجلى المفارقة الأخلاقية والسياسية: لماذا يُعتبر الانخراط في تسوية مع “مليشيا” كانت حينها مدعومة إماراتيًا، ومتورطة في قمع الثوار، أمرًا مقبولًا بل و”ثوريًا” إن تم داخل إطار تقوده قوى الحرية والتغيير (بمن فيهم الحزب الشيوعي)؟ ولماذا يصبح الأمر نفسه “خيانة” أو “وصاية سياسية” إذا ما جرى في سياق مختلف، خارج مظلة القوى التقليدية، بل ومُعارضًا لها؟

هل المشكلة في المبدأ، أم في موقع المبادرة؟

وإذا كان الحزب يرى أن الميثاق الجديد لتأسيس سودان ما بعد الحرب لا يملك الشرعية لأنه لم يُجز “جماهيريًا”، فهل كانت الوثيقة الدستورية 2019 – التي وصفها الحزب لاحقًا بأنها “مزعومة” – قد نالت تلك الشرعية؟ أم أن ما يُقصد ضمناً هو أن الشرعية لا تُمنح إلا من قبل نفس القوى القديمة التي شاركت في هندسة الإخفاق؟ هل المطلوب أن ينال “تأسيس” تفويضه من النخب التي قادت الوثيقة الدستورية إلى فشلها المدوي، بما فيها الحزب الشيوعي نفسه؟

 

في هذا، يكشف بيان الحزب الشيوعي عن ازدواجية بنيوية في تمثُّل مبدأ الشرعية: حين يكون الحزب شريكًا في التوقيع، يُصبح الاتفاق قابلًا للتبرير “المرحلي”، حتى لو شمل قوى قمعية؛ أما إذا نشأ التحالف خارج قبضته، وبمعزل عن منظماته الحليفة، يُدان لا لمضمونه، بل لمجرد أنه أفلت من المركز القديم.

يقول بول ريكور:

.”النكوص السياسي غالبًا ما يرتدي ثوب المبادئ، حين لا يجرؤ على مراجعة نفسه”

والحال أن موقف الحزب الشيوعي من “تأسيس” لا يُبنى على مبدأ، بل على خشية رمزية من انبثاق كتلة تاريخية جديدة لا تستأذنه، ولا تمر عبر شبكة “التحالفات” التي ظل يتحرك داخلها منذ الانتقال. فالتحالف الجديد لا ينتظر تزكية من أحد، بل يطرح نفسه من موقع تأسيسي، لا تفاوضي- في هذا الوقت. وهو بهذا المعنى ينهي مرحلة الوكالة السياسية باسم “الشعب”، ويدخل زمن الاصطفاف الحقيقي حول أسئلة الدولة والمواطنة والعدالة.

وإذا كان الحزب الشيوعي يرفض ميثاق “تأسيس” بدعوى أنه “يختطف لحظة سياسية”، فالسؤال الأصدق هو: هل يمكن للأحزاب التقليدية – ومنها الحزب الشيوعي – أن تقبل بلحظة تأسيسية لا تكون هي مركزها؟ أم أن كل تأسيس لا يمر عبرها هو بالضرورة باطل؟

إنّ من لا يراجع تاريخه، لا يملك حق الادّعاء بالثبات. ومن لا يرى المفارقة في أن يرفض اليوم ما وقّعه بالأمس، يختار النسيان كأداة خطابية، لا كاستراتيجية سياسية.

وكما كتب غرامشي:

“”ليست اللحظات المؤسسة هي التي تحتاج إلى الشرعية من القديم، بل القديم هو الذي يُمتحن في قدرته على النجاة من الجديد

ثالثًا: طهارة مثالية أم منطق جدلي؟ كيف تقرأ الماركسية التحالفات؟

يرتكز بيان الحزب الشيوعي على فكرة جوهرية: أن “الدعم السريع لا يمكن التحالف معه بسبب تاريخه الدموي”. قد تبدو هذه الفكرة وجيهة أخلاقيًا، لكنها خاطئة ماركسيًا إذا حُوّلت إلى قاعدة مطلقة خارج السياق السياسي. فالماركسية الثورية – من لينين إلى أنطونيو غرامشي – لا تتعامل مع القوى بحسب “نقاوتها”، بل بحسب موقعها من التناقض الأساسي، واستعدادها للانخراط في مشروع يعيد تعريف الدولة والسلطة والتمثيل.

قال لينين بوضوح:

.”من يرفض التحالفات المعقّدة، يظل على هامش التاريخ، مهما كانت مبادئه سامية”

وفي سياق السودان، لا يطرح الجيش مشروعًا سياسيًا جديدًا، بل يعيد إنتاج الدولة القديمة: مركزية، دينية، استعلائية، معتمدة على نفس التحالفات الطبقية والإثنية التي أنتجت التهميش والتسلط. أما تحالف “تأسيس” – رغم تناقضاته – فهو المشروع الوحيد المطروح اليوم الذي يقدّم رؤية دستورية ومبادئ لإعادة بناء الدولة من الهامش، انطلاقًا من العدالة التاريخية والمواطنة العلمانية، وبناء جيش جديد غير عقائدي.

والأهم من ذلك، أن الحزب الشيوعي نفسه، ومعه قوى سياسية أخرى، قد تحالف مع قوات الدعم السريع نفسها بعد سقوط عمر البشير، ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير، بل وجلس ممثله في مفاوضات مباشرة مع الدعم السريع حين كانت هذه القوات لا تختلف – في تكوينها وسلوكها – عمّا هي عليه اليوم. فهل كانت آنذاك أقل تورطًا في الإبادة والاغتصاب وجرائم الحرب؟ أم أن التحالف معها كان مباحًا ما دامت جزءًا من تسوية تديرها النخب التقليدية؟

إن الدعم السريع الذي يُدان اليوم بأنه “ميليشيا قاتلة”، هو نفسه الذي شارك في فض الاعتصام، وهبة سبتمبر، وانقلاب 25 أكتوبر، قُدّمت له شرعية سياسية في الوثيقة الدستورية التي وقع عليها الحزب نفسه. فلماذا يصبح الانخراط معه اليوم خيانة، بينما كان بالأمس ضرورة؟

هذا التناقض يكشف أن الرفض المبدئي للدعم السريع ليس رفضًا ثابتًا، بل موقفًا مرتهنًا للسياق السياسي، وأن الحزب الشيوعي، رغم رفضه للقيادة العسكرية، لا يزال أسيرًا للخيال الوطني الكلاسيكي الذي يرى في الجيش “مؤسسة الأمة”، حتى وهو يحتضن الانقلابيين والإسلاميين، ويقصف المدنيين!

وفي هذا نستعين بما كتب كارل ماركس:

.”حين تتحوّل مؤسسة القمع إلى أسطورة وطنية، يصبح كل إصلاح وهمًا، وكل ثورة خيانة”

إن رفض الحزب الشيوعي التحالف مع “عنصر ملوّث” مثل الدعم السريع، في الوقت الذي لم يُرفض فيه التعاون مع الجيش الذي مارس نفس الأفعال – بل أسوأ – بما في ذلك تكوين كيانات مثل الدعم السريع نفسه هو ازدواجية خطابية تتخفى خلف شعارات أخلاقية، بينما تفتح الباب عمليًا لإعادة إنتاج منظومة القمع القديمة.

كتب المفكر الفلسطيني هشام شرابي:

.”أن تحافظ على نقائك، بينما العالم يتغير، ليس شرفًا، بل انسحاب من التاريخ”

والحياد عن تأسيس السودان الجديد، تحت أي ذريعة – أخلاقية أو سياسية – ليس موقفًا تقدميًا، بل تفريط في لحظة تأسيسية قد لا تتكرر. أما الثورة، فهي لا تُصنع من الخارج، بل من قلب التناقض، عبر صراع طويل يُعاد فيه تعريف الطهارة نفسها.

رابعًا: العلمانية وتقرير المصير… نقد الهروب وتفكيك خطاب التأجيل:

يتهم الحزب الشيوعي السوداني ميثاق “تأسيس” بمحاولة “فرض مشروع على الشعب”، في إشارة إلى طرحه الصريح للعلمانية وحق تقرير المصير. لكن هذا الاتهام، كما ورد، لا يصمد أمام التفكيك السياسي أو حتى أمام سجل الحزب ذاته. فهو زعمٌ مضلّل سياسيًا، يحاول تحميل الوثيقة التأسيسية ما ليس فيها، ويتعامى عن أنها ليست دستورًا نهائيًا/دائما، بل مشروع انتقالي معروض للنقاش، ومشروط بالاعتراف الجاد بجذور الأزمة، لا بمراوغاتها البلاغية، ومشروط أيضا بالمبادئ فوق الدستورية التي تضمن حقوق المواطنة.

في مواجهة عبارات ضبابية مثل “مدنية الدولة” و”تعايش الأديان”، يطرح ميثاق “تأسيس” مواجهة واضحة: إما علمانية تضمن المواطنة المتساوية فعلًا، لا شعارًا، أو مواجهة سياسية مفتوحة مع قوى التهميش. الميثاق لا يلتفّ، بل يصارح: إذا لم تُقرّ الدولة بأن الدين ليس أساس التشريع والسيادة، فإن من حق المكونات المقموعة أن تبحث عن مصيرها خارج هذا الإطار القسري. وهذه ليست دعوة للانفصال، بل إعلان صريح بأن وحدة تُبنى على الإكراه، ليست وحدة، بل استعمار داخلي.

إن الموقف من العلمانية، كما يقدّمه بيان الحزب الشيوعي، يُصوّرها كأنها “فكرة فوقية مفروضة”، بينما الحقيقة أن غيابها- غياب العلمانية هو ما فُرض لعقود، بقوة الدولة ومؤسساتها، باسم “الهوية الإسلامية”، وبتواطؤ النخب التي صنعت نظامًا يخدمها باسم الله ويقمع الآخرين باسمه!

هنا تتجلى المفارقة العميقة: فالحزب الشيوعي السوداني، الذي تحالف في التجمع الوطني الديمقراطي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، حين رفعت الأخيرة حق تقرير المصير كشعار تفاوضي وسياسي ضد مركزية الخرطوم، كان يرى في ذلك آنذاك موقفًا ماركسيًا تقدميًا. فما الذي تغيّر اليوم حتى أصبح نفس الموقف تهديدًا لوحدة السودان؟ أهي ازدواجية القراءة؟ أم أن المركز عاد فتلبّس الخطاب الثوري من الداخل؟

إن رفض مناقشة العلمانية، أو الإصرار على تأجيلها إلى “مؤتمر دستوري” مجهول الملامح، هو هروب من المواجهة مع بنية التمييز نفسها. إن الدين، في السودان، لم يُمارس كقيمة روحية فردية، بل كأداة قمع سياسي، واستبعاد اقتصادي، وتهميش ثقافي، منذ الاستقلال وحتى اليوم.

وقد أوضح فلاديمير لينين ذلك بجلاء حين كتب:

“”الدولة التي ترفض منح القوميات حق الانفصال، لا يمكنها أن تبني وحدة حرة، بل وحدة قهرية

كما أن العلمانية التي يطرحها ميثاق “تأسيس” ليست علمنة فرنسية فوقية، ولا تغريبًا ثقافياً، بل شرط سياسي–اجتماعي لإعادة تأسيس مفهوم الوطن نفسه على قاعدة المساواة. فالوطن لا يُبنى على الإيمان الواحد، بل على القانون الواحد.

كتب أنطونيو غرامشي:

“الثبات لا يعني تكرار الشعارات، بل الجرأة في إدخال المبادئ إلى قلب الصراع القائم”

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في شجاعة ميثاق “تأسيس”، بل في إصرار النخب – ومنها الحزب الشيوعي – على الاستمرار في خطاب التأجيل المضلّل، من خلال دعوات خجولة لمؤتمر دستوري جامع القصد منه الاحتيال.

لقد مرت أكثر من أربع سنوات منذ إسقاط البشير، ووقعت أكثر من ست اتفاقات وانشقاقات وانقلابات، والبلاد تمزّقت بالحرب، بينما المؤتمر الدستوري لا يزال “يُحضّر له”.

من ينتظر النخب المركزية لتقرّ بامتيازاتها، لا يفاوض بل يتواطأ. وهذا ما سمّاه ماركس بـ”السياسة المثالية التي تؤجل الثورة إلى حين موافقة الطبقات السائدة عليها”!!

إن تحالف “تأسيس” لا يفرض مشروعًا، بل يفتح لحظة تأسيس جديدة، ويطرح الأسئلة التي تخاف منها النخب السياسية – بما فيها الحزب الشيوعي – لأنها أسئلة تضعهم على المحك:

هل أنتم مع المواطنة الكاملة؟

هل أنتم ضد هيمنة الدين على الدولة؟

هل أنتم مع وحدة تُبنى على الاختيار الحر، أم على التهديد بالتقسيم؟

من لا يجيب على هذه الأسئلة، لا يمكنه أن يتحدث عن “الوطنية” أو “السيادة” أو “الوحدة”، بل هو يشارك – بقصد أو بدونه – في تمديد عُمر الاستعمار الداخلي.

فكما كتب فرانز فانون:

.”لا تُبنى الأمم بتراتيل الهوية، بل باعتراف مؤسساتها بأن الاختلاف ليس خطيئة، بل شرعية”

خامسًا: الجيش الجديد أو لا جيش على الإطلاق – بين واقعية “تأسيس” وطوباوية “الاستعادة:

يصف الحزب الشيوعي السوداني في بيانه وجود “تناقض” في وثيقة “تأسيس” بين البند 14 الذي يدعو إلى “تأسيس جيش وطني جديد وموحد ومهني وقومي”، والبند 20 الذي “يقرّ بحق الحركات المسلحة في الاستمرار في الكفاح المسلح كوسيلة من وسائل المقاومة والنضال من أجل التغيير”. لكن ما يصفه الحزب بالتناقض، ليس إلا تعبيرًا واضحًا عن طبيعة المرحلة الانتقالية التاسيسية التي تعيشها البلاد، والتي لا تحتمل التبسيط الطوباوي، ولا هندسة الحلول الفوقية.

فالجيش الجديد الذي تدعو له “تأسيس” ليس ترميمًا لمؤسسة قائمة، بل تأسيسٌ كاملٌ لهوية جديدة، وعقيدة قومية تستمد شرعيتها من التعدد السوداني، لا من المركز النخبوي. جيش لا يبنى عبر رموز السلطة أو الشعارات، بل عبر إعادة هيكلة السلطة نفسها، ودمج قوى الكفاح التاريخي ضمن رؤية سياسية–اجتماعية جديدة.

وفي هذا السياق، فإن الاعتراف بحق الحركات المسلحة في مواصلة الكفاح المسلح لا يُناقض هذا المسعى، بل يُمليه. فالمقاومة لم تكن خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة تاريخية لشعوب جُرّدت من أدوات المشاركة السياسية، والتعبير، والدفاع عن الذات. إن الكفاح المسلح هنا لا يُقرأ كضدٍ للدولة، بل كرافعة لتأسيسها من جديد. إنه فعل تأسيسي بحد ذاته.

يكتب جرامشي:

“إن التأسيس لا يعني نفي القديم فقط، بل استخدام تناقضاته كمواد لإنتاج الجديد”

وبناء الجيش الوطني الجديد – من قوى قاومت التهميش – هو تجسيد لهذا التأسيس الحيّ.

أما الحزب الشيوعي، فيصوغ اعتراضه انطلاقًا من تصوّر طوباوي عن “التحول الديمقراطي”، وكأننا أمام سلطة قابلة للإصلاح بالنوايا الحسنة أو الاحتجاج الجماهيري المجرد. بينما يغفل أن الدولة القائمة في بور تسودان – بقيادة الجيش السوداني المتحالف مع الإسلاميين، ومراكز قوي السودان القديم والميليشيات الإثنية – تُعاد هندستها اليوم على أسس أكثر استبدادًا ودينيةً من عهد البشير ذاته.

والأدلة على ذلك لا تحتاج إلى تأويل، بل تكفي قراءة التعديلات التي أجراها الفريق عبد الفتاح البرهان على الوثيقة الدستورية التي وقّعها الحزب نفسه في 2019

  • تحويل مجلس السيادة إلى رأس الدولة ومصدر السيادة الدستورية، رغم أنه غير منتخب، ومسيطر عليه من المؤسسة العسكرية.
  • إلغاء المجلس التشريعي (صوت الشعب)، بحجة “إلى حين التكوين”، مما يعني إلغاء الرقابة نهائيًا.
  • إسقاط بند العدالة الانتقالية وتفكيك التمكين، مما يعني عفوًا مسبقًا عن كل جرائم الحرب والفساد.
  • إعادة تعريف مصادر التشريع لتشمل الشريعة الإسلامية والتقاليد، في نكوص صريح عن حياد الدولة والمواطنة.
  • منح صلاحيات مطلقة لرئيس مجلس السيادة، تشمل تعيين الوزراء، القضاء، قادة الجيش والشرطة، وإعلان الحرب، دون أي آلية للمحاسبة.

فهل يُعقل أن يُراهن الحزب الشيوعي، بعد كل ذلك، على “تصحيح المسار” عبر أدوات جماهيرية “مجربه”؟ أي أدوات تلك، إذا لم يعد للشعب صوت، ولا مؤسسات تمثيلية، ولا قانون؟

كتب فلاديمير لينين:

“”لا تحدد طبيعة التحوّل وسائل التغيير فقط، بل بنية العدو نفسه. فإذا كان العدو مسلحًا، طائفيًا، وطبقيًا حتى النخاع، فالمقاومة لا تكون برفع الشعارات، بل ببناء نقيضه التنظيمي”.

وإذا كانت السلطة الجديدة تعيد تعريف الدولة لتكون جهازًا مقفلًا بيد الجيش والإسلاميين، فإن الردّ الثوري ليس الانتظار، بل التأسيس الفعلي لنقيضٍ سياسي واجتماعي وتنظيمي قادر على موازنة القوة، وهذا بالضبط ما يحاوله تحالف “تأسيس”

عموما، الحزب الشيوعي هنا لا يقدم تحالفًا وطنيًا قابلًا للحياة، ولا مشروعًا جديدًا للجيش أو الدولة.

يقول ماركس:

“ليست الأفكار من تهزّ الأنظمة، بل الاصطفاف الفعلي لموازين القوى، حين يدرك المضطهدون أن النظام لا يُصلح، بل يُستبدل”.

وقال غرامشي

“طبيعة المقاومة تتحدد دومًا بطبيعة السلطة القائمة. ومن يجهل من يُواجه، يجهل كيف يُقاوم”

ولذا، فإن الجمع بين مشروع الجيش الجديد وشرعية الكفاح، ليس تناقضًا بل صيغة تأسيسية ثورية وعقلانية. لأن الثورة لا تُبنى بالنيات، بل بالموقف الواضح من هوية العدو، ومن هوية الدولة التي نريدها.

سادسا: عن الخلط بين المحاسبة والإرجاء:

صحيح أن الدعم السريع ارتكب جرائم، لكن السؤال ليس هل نحاكمه أم لا؟ بل: هل نُؤسس دولة جديدة تسمح بمحاكمته في إطار نظام عدالة حقيقي، أم نُعيد إنتاج دولة الإفلات من العقاب؟

تحالف “تأسيس” لا يعفي أحدًا، بل يضع إعادة بناء الجيش، وإطلاق مسار عدالة تاريخية، وإعادة تعريف من هو المواطن، في قلب العملية السياسية. هل الحزب مستعد لتقديم مشروع مماثل؟ أم سيظل يرفض كل شيء باسم كل شيء، بينما الخراب يواصل إنتاج نفسه؟

سابعا: عن البديل الغائب – أين الكتلة التاريخية؟

البيان يقول: “نرفض تأسيس الحكومة الموازية”، ويهاجم “حكومة بورتسودان”، ويشكك في المجتمع الدولي، ويرفض التفاوض مع طرفي الحرب… فأين البديل إذًا؟

  • لا يدعو البيان إلى مؤتمر دستوري
  • لا يطرح مشروع دستور
  • لا يقترح تحالفًا اجتماعيًا جديدًا
  • لا يُنظّم قوى الهامش
  • لا يُقدّم رؤية فيدرالية، ولا علمانية ولاهم يحزنون
  • لا يُخاطب ضحايا الحرب، ولا النازحين، ولا الأقاليم!!

 

إنه فقط يحذّر، ويُدين، ويراقب… بينما يقول ماركس:

“السياسة التي لا تطرح بديلًا، هي سياسة ميتة مهما ارتدت لغة الثوار”

 

ثامنا: لا وقت للانتظار – المعركة في الميدان الكتلة التاريخية تُبنى من الاصطفاف لا من الإنكار:

“تأسيس” كواقع سياسي في قلب التناقض:

ندرك ان تحالف “تأسيس” لا يدّعي الطهارة الثورية، كما لا يُخفي تناقضاته الداخلية ولا تعدد أجندات مكوناته. لكنه، وبالرغم من ذلك، هو المبادرة السياسية الأكثر جدية في السودان– بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 – لبناء نواة كتلة تاريخية جديدة، بالمعنى الغرامشي العميق: تحالف متعدّد طبقيًا ومجتمعيًا، يسعى لتفكيك النظام القديم، لا ترميمه، ولإعادة بناء الدولة من الهامش، لا من قلب الخرطوم التي انهارت رمزيًا وماديًا.

 

فالميثاق والدستور اللذان صدرَا عن “تأسيس” لا يعرضان مشهدًا جاهزًا، بل يفتحان مساحة إعادة التأسيس من معسكرات النزوح، من جبال النوبة والفونج ودارفور، من لجان المقاومة في الأطراف، من النقابات الوليدة، من النساء والشباب والمهمّشين، ومن تيارات فكرية تسعى فعلاً – لا قولاً – إلى بناء دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية.

وهنا تظهر المفارقة: من يرفض هذا التحالف لأنه يضم “عنصرًا غير نقي”، كما يشي الخطاب الطهراني لبعض النخب السياسية، يتجاهل أن كل كتلة تاريخية – كما يعرّفها غرامشي – تُبنى لا على تطابق، بل على اصطراع داخلي، تلتقي فيه مصالح متباينة تحت سقف مشروع وطني تحويلي!

فالثورة لا تُصنع من مواد معقمة، ولا تولد في مختبرات الأخلاق، بل تُصاغ من تراكم الإرادات المتناقضة، شرط أن يُديرها وعي سياسي قادر على توجيه التناقضات نحو غاية عليا مشتركة. كما كتب أنطونيو غرامشي:

.”الثبات الحقيقي لا يعني تكرار المبادئ، بل إدخالها في صراع مع التشكيل الجديد للعالم”

“تأسيس”، بهذا المعنى، ليس دعوة للاصطفاف مع الدعم السريع، بل دعوة للاصطفاف حول مشروع سياسي بديل يُعيد تعريف من هو المواطن، ومن يملك، ومن يقرّر، ومن يمثل السودان، ومن يكتبه من جديد. ومن لا يرغب في أن يكون جزءًا من هذه العملية المركّبة، فعليه أن يقدّم مشروعه السياسي لا موعظته الخطابية، فزمن الشعارات قد انقضى، وزمن الفعل السياسي التأسيسي قد بدأ!

إن الذين ينتظرون أن يُولد تحالف خالٍ من الشوائب والتناقضات، إنما ينتظرون تاريخًا لا يأتي أبدًا. أما من يملكون الشجاعة للدخول في المطبخ الحقيقي لصناعة الدولة – من داخل الانهيار، ومن داخل التناقض – فهم فقط من يملكون مفاتيح المستقبل.

كتب والتر بنيامين:

“الثورة ليست قطارًا نركبه، بل مكابح نضغط عليها لوقف انحدار العالم إلى الجحيم”

وتحالف “تأسيس” هو محاولة لتثبيت هذه المكابح، وإن كانت بأيدٍ متباينة، لكنها تتفق – لأول مرة منذ عقود – على أن الوطن لا يُبنى من امتيازات الخرطوم، بل من اعتراف كامل بمن حُرموا من الوطن نفسه!

.”الحياد في لحظة تشكُّل ميزان القوى، ليس حكمة، بل تواطؤ”و

قال تروتسكي!

الان، اخيرا: الحزب الشيوعي كغيره من القوي السياسية السودانية في مفترق طرق:

يمكن للحزب الشيوعي أن يختار:

أن يكون قوة فكرية تُعزز مشروع التأسيس، بشروطه، بتعديلاته، بموقعه النقدي الداخلي.

أو أن يظل في موقع “المحلّل الثوري” الذي يشاهد الخراب ويتأمله.

لكن عليه، وعلي عضويته أن يتذكروا:

“من لا يختار في لحظة الخطر، يختار – بصمته – بقاء ما كان.” – أنطونيو نيغري.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *