بين الواقعية الثورية وتحديات المرحلة .. ردا على خطاب مؤتمر كوش المفتوح!!

بين الواقعية الثورية وتحديات المرحلة .. ردا على خطاب مؤتمر كوش المفتوح!!
خالد كودي، بوسطن، 29/ 3/ 2025
الرفيق محمد جلال أحمد هاشم،
الرفاق في مؤتمر كوش،
تحية طيبة وبعد،
إننا في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، لا نكابر ولا ننكر الحقائق ولا نغض الطرف عن تاريخ الدم والمأساة الذي صنعته مليشيات الجنجويد، المعروفة لاحقاً باسم قوات الدعم السريع. لقد ارتكبت هذه المليشيات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي، ليس فقط في دارفور، بل أيضاً في جبال النوبة والنيل الأزرق والخرطوم والجزيرة وغيرها. إن هذه الجرائم ليست مجرد ادعاءات بل مثبتة بالتقارير الدولية والشهادات الميدانية، وقد أدنّاها مراراً في وثائقنا الرسمية، بدءاً من “مانيفستو الحركة” 2017 إلى بياناتنا الصادرة حتى ما بعد اندلاع الحرب في 2023
ولكن، في ميدان السياسة الثورية، لا يكفي الإدانة وحدها لبناء المستقبل. نحن أمام واقعٍ مركب يتقاطع فيه التكتيكي مع الاستراتيجي، وتتداخل فيه الاعتبارات المحلية مع الجيوسياسية، وتتجدد فيه أسئلة الوطنية والمواطنة في لحظة انهيار كامل لبنية الدولة المركزية.
لقد علمنا التاريخ – من مانديلا إلى هوشي منه، إلى نكروما – أن التحالفات ليست أحكاماً أخلاقية بل أدوات استراتيجية. التحالف الذي يبدو مستحيلاً اليوم، قد يصبح ضرورة غداً إذا تغيرت شروط الصراع. فمن كان يتصور أن مانديلا، بعد 27 عاماً في السجن، سيصافح من سجنه رموز نظام الفصل العنصري لبناء جنوب أفريقيا جديدة؟ ومن كان يتوقع أن يوقع ديغول هدنة مع ألمانيا النازية ثم يقود فرنسا الحرة؟
في حالتنا السودانية، المركز هو العدو الأكبر. إنه مصنع المليشيات وصانع الجنجويد، وهو الذي استخدم القبائل والميشيات القبلية كوقود في حروبه ضد الهامش. إن الجيش السوداني، بشكله البنيوي، لم يكن يوماً جيشاً وطنياً، بل هو جيش أُسس لخدمة المشروع الإسلاموعروبي القائم على الإقصاء والتمييز، وتحت رايته ارتُكبت مجازر لا تقل بشاعة عن ما فعله الدعم السريع، وارتكب هذه المجازر منفردا او بصحبة المليشيات المختلفة بمافيها مليشيات الدعم السريع نفسها.
وعليه، فإننا لا ننظر إلى الدعم السريع ككيانٍ جامد لا يُمكن تغييره، بل كمجموعة مغرَّر بها، نشأت في بيئة ملغومة بالاستلاب والتهميش، وتشكلت ضمن صراعات الهيمنة التي خلقها المركز. وكما حوّل جيفارا المقاتلين الريفيين إلى طليعة ثورية، وكما تحوّلت حركات تمرد إلى قوى سياسية بناءة، نعتقد أن في قلب الدعم السريع أناس يمكن أن يُعاد توجيه بندقيتهم إلى صدور أعداء السودان الحقيقيين.
نعم، الجريمة لا تسقط، والمساءلة ضرورية، لكن التغيير الجذري يتطلب مقاربة أكثر شجاعة من السجن في لحظة الجريمة. نرى في رؤية مؤتمر كوش إحالةً غير واعية إلى قدرية سياسية، تُجمِّد كل أفق للتطور، وتحاكم المستقبل بمنطق الماضي. ما نفعله هو تفكيك البنية التي أنتجت الجريمة لا فقط جلد مرتكبيها.
في هذا السياق السوداني، الذي يغلب عليه الانهيار الأخلاقي والانكفاء السياسي، يصبح التفوق الأخلاقي مهمة نضالية في حد ذاته. فالمشهد السياسي الراهن إما مأسور بشعارات وطنية جوفاء تبرر الشراكة مع الفاشية الدينية في حكومة بور تسودان، أو غارق في تواطؤ رمزي مع منظومتها، أو مشلول تحت وطأة الكسل الفكري والجمود التنظيمي الذي يشل حركات المعارضة التقليدية. وفي ظل هذا الانسداد العام، تتقدم الحركة الشعبية بخطوة صعبة، لكنها ضرورية.
إن تحالف تاسيس ليس إعلان محبة أو تبرئة لجرائم سابقة لاي جسم موقع عليه، بل هو اختبار تاريخي للقدرة على العمل وسط التعقيد. هو عبورٌ واعٍ على حافة الممكن، محاولة لإعادة تعريف الواقع نفسه لا مجرد التفاعل معه. في وقتٍ تعم فيه الساحة السياسية السودانية حالة من الجمود والكساد وانغلاق الأفق، تختار الحركة الشعبية أن تفتح كوة في جدار الانهيار، وأن تخوض مبادرة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تقوم على المواطنة لا الغلبة، وعلى الاعتراف لا الإقصاء
نحن لا نقدّم تنازلات مجانية. بل نكسر التابوهات بثمن فادح، لأننا نمتلك يقيناً بأن لا سلام بدون الاعتراف بكل الفاعلين في المشهد، ولا تأسيس لوطنٍ إن لم نفتح أبواب التاريخ المقفلة.
إن فلسفتنا هنا ليست تبريرية، بل واقعية ثورية تنطلق من مقولة نغوزي أوكونجو إيويلا: “العدالة ليست فقط معاقبة الماضي بل صنع مستقبل لا يتكرر فيه الماضي.” ووفقاً لفكر العموم افريقيا، فإن تحرير أفريقيا يبدأ بإعادة تعريف الأعداء والحلفاء.
نحن نراهن على وعي المجتمعات المحلية، التي كانت حواضن للدعم السريع، ولكنها أيضاً كانت ضحاياه. ونعمل على خلق تعايش جديد يُفرّق بين المجرم والفرد، بين قيادة الجريمة وقواعدها الاجتماعية. إن هذه المجتمعات ليست كيانات ثابتة أو متواطئة، بل هي نتاج لعقود من التهميش البنيوي والإقصاء الثقافي والسياسي. إن تفوقنا الأخلاقي يكمن في أننا لا نحاكم الشعوب، بل نحاكم البُنى التي استغلتها، ونمدّ يد التغيير إلى حيث يكون الأمل ممكناً. نؤمن أن المصالحة الحقيقية لا تبدأ بالمحاكمات، بل بإعادة تعريف الكرامة الجمعية، وبإعادة إدماج المهمشين كفاعلين لا كأتباع. من رحم هذه المجتمعات يمكن أن يولد السلام، إذا ما توفرت له القيادة المستنيرة، والاعتراف بإنسانية الجميع دون استثناء.
لقد آن أوان نضوج القوى السياسية السودانية، وقد آن للحركة الشعبية، بما تمتلكه من رؤية فكرية وتجربة تنظيمية، أن تتحمل عبء المبادرات الكبرى، حتى وإن كانت فادحة الثمن. مثلما فعل فريدريك دوغلاس حين خالف التوقعات، ومثلما مدّ مارتن لوثر كينغ يده إلى خصوم الأمس، متحملاً سخرية النقاد، فإننا نعلم أن التاريخ لا يكرّم الجبناء، بل أولئك الذين يخاطرون من أجل المستقبل.
وما وقعت عليه الحركة الشعبية مع قوات الدعم السريع وغيره من خلال تحالف “تأسيس” هو إعلان واضح الارتباط العميق بمشروع السودان الجديد – مشروع يعيد تعريف الصراع في السودان، لا بوصفه نزاعاً قبلياً أو جهوياً، بل بوصفه أزمة في طبيعة الدولة، وعلاقتها بالمواطن، وموقع العدالة والانصاف في البنية السياسية. توقيع الدعم السريع على هذا الميثاق، رغم كل ملاحظاتنا التاريخية والحقوقية عليه وعلي غيره، هو إقرار بالانتقال إلى فضاء جديد من الالتزامات الوطنية، الاخلاقية والفكرية، وهو ما يجعلهم وغيرهم موضوعاً للمحاسبة وفق معايير جديدة، لا مجرد عناصر مسلحة خارجة عن النظام.
إننا بذلك لا نتراجع عن مبادئنا، بل نرفع سقفها. فالحركة الشعبية، في قوتها وبسْط سيطرتها على أراضٍ واسعة، لا تمثل الهامش فقط، بل تحمل مشروعاً لكل السودانيين واكثر- نموزج للتغير الثوري والواعي في افريقيا. مسؤوليتنا السياسية والأخلاقية لا تستثني أحداً، بمن فيهم الدعم السريع وحواضنهم الاجتماعية. إن مشروع الحركة لا يمكن أن يتقدّم به إلا من امتلك الجرأة على مخاطبة المأساة دون مواربة، ومن امتلك من الشجاعة ما يكفي لرؤية الإنسان حتى داخل عدوه السابق.
وبهذا المعنى، فإن السودان قد تغيّر إلى الأبد، وكل من في داخله يشعر بذلك التغيير في دمه ولغته وهويته ومسكنه. إننا نوقن أن هذه الخطوة ستُفهم لاحقاً، كما فُهمت تحولات كثيرة عارضها الناس ثم مجّدوا صناعها. فالتاريخ لا يُكتب على الفور، بل يُنقش على صخور الألم والمبادرة.
لقد التزمت الحركة الشعبية في أبريل 2019، مع شركائها في مؤتمر كوش ومؤتمر البجا التصحيحي، بتحالف الكتلة التاريخية الذي حمل توقيعات الرفاق عبد العزيز آدم الحلو، وزينب كباشي عيسى، ومحمد جلال هاشم، كتعبير عن وحدة نضالية تسعى لتأسيس مشروع وطني جديد. واليوم، مع اتساع الأفق وتشابك المصائر، تلوح فرصة حقيقية لتحويل تلك الرؤية المشتركة إلى كتلة تاريخية فاعلة ومُمكنة، واكثر اتساعا، كتلة تمتلك القدرة الفاعلة على أن تبني مستقبلاً ذي معنى لكل السودانيين دون استثناء. إنها دعوة للتاريخ أن يتجدد، لا أن يُكرر نفسه.
ولنا جميعا في التاريخ عبرة: نكروما حين تبنّى الوحدة القارية رغم تمزّق أفريقيا، ونيلسون مانديلا حين أسس لجنة الحقيقة والمصالحة بدلاً من المحاكمات الدموية، وتوماس سانكارا حين سلّح الفلاحين من أجل عدالة اجتماعية جذرية.
النضال مستمر والنصر اكيد.