الدكتور الوليد مادبو: الأسلحة الكيميائية وانهيار الجيش

295
دكتور الوليد مادِبو

الدكتور الوليد مادبو.

الدكتور الوليد ماديبو، باحث فولبرايت، مؤسس ورئيس منتدى سياسات السودان

 

عندما يُستهدف الأبرياء، يُنتهك جوهر إنسانيتنا. الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤ. – كوفي عنان

 

السودان بعد المذبحة الكيميائية ليس كما كان قبلها. إنها تُمثل نقطة تحول في الضمير الأخلاقي للعالم، وفي وجدان كل سوداني. عندما تُطلق غازات قاتلة على مدنيين عُزّل، لم يعد الصمت خيارًا. فقدت لغة “كلا الطرفين” مصداقيتها. هذه ليست زلة في ساحة المعركة، بل جريمة غير مبررة، تكشف عن الانهيار التام لمؤسسات الدولة، بقيادة جيش فشل في حماية شعبه، وأصبح أداة حرب وسلاحًا للقتل الجماعي.

 

ما حدث ليس تجاوزًا عسكريًا، بل جريمة حرب موثقة. تؤكد التقارير الطبية وشهادات شهود العيان من مناطق مثل دارفور والخرطوم وأم درمان استخدام أسلحة يُشتبه في احتوائها على مواد كيميائية في أحياء مدنية مكتظة بالسكان. لم تكن هذه ضربات خاطئة، بل هجمات متعمدة، مما يجعلها جرائم ضد الإنسانية بأوضح معانيها.

 

لم يعد بإمكان المجتمع الدولي، وخاصة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، الاختباء وراء تعبيرات “القلق العميق”. فالصمت في وجه الحرب الكيميائية تواطؤ. المطلوب الآن هو تحقيق دولي عاجل، وإحالة المسؤولين فورًا إلى المحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم أفراد الجيش السوداني المشتبه في تورطهم المباشر أو تواطؤهم. كما أصبح فرض منطقة حظر جوي مؤقتة فوق المناطق المدنية ضرورة إنسانية، لإنقاذ ما تبقى من أرواح بريئة تحت وطأة القصف الجوي للنظام.

 

لم يعد الجيش السوداني مؤسسة وطنية، بل أصبح ميليشيا مُقنّعة، تتألف من بقايا التحالفات الإسلامية، وضباط تربطهم ولاءات قبلية وإقليمية، ومراكز نفوذ فاسدة تشكلت على مدى عقود من الحكم الاستبدادي. يعمل هذا الجيش كأداة إرهاب داخلي، لا لحماية المواطنين السودانيين، بل لإخضاعهم. إن استخدام الأسلحة الكيميائية ليس سوى التعبير الأخير عن انهيار أخلاقي طويل: من قصف المستشفيات والمخابز، إلى مجازر الجنينة وكتم وكرينك، إلى حملات التطهير العرقي في غرب دارفور، وكلها موثقة بالتفصيل، بأدلة صوتية ومرئية.

 

الحقيقة الآن لا ينكرها أحد: لا مستقبل للسودان في ظل جيش تقليدي يحتكر السلاح ويوجهه ضد شعبه. الحل ليس الإصلاح، بل التفكيك الكامل. يجب بناء جيش جديد من الصفر، بقيادة مدنية، بعقيدة دفاعية تحمي المواطنين لا أن تستغلهم. لقد فشلت خرافة “الإصلاح التدريجي”. التعايش مع مجرمي الحرب مستحيل أخلاقيًا وسياسيًا. يجب أن تكون العدالة نقطة البداية. المساءلة شرط أساسي للسلام.

 

تُجادل الصحفية رشا عوض، في مقالها “الجيش المصري في السودان”، بأن الجيش السوداني لم يكن يومًا وطنيًا حقيقيًا. فمنذ نشأته، كان بمثابة امتداد لمصالح مصر، يخدم أجندات أجنبية، خاضعًا للهيمنة المصرية. تُفسر هذه التبعية الهيكلية خيانة الجيش المستمرة لأرض السودان وسيادته وموارده، وعدائه لأي مشروع وطني مستقل.

 

في الختام، لا يحتاج السودان إلى اتفاق آخر لتقاسم السلطة يُعيد تدوير أمراء الحرب والجنرالات. ما يحتاجه هو قطيعة حاسمة مع الدولة العسكرية وميليشياتها الإسلامية. كل تأخير في تحقيق هذه القطيعة يعني المزيد من الدماء، والمزيد من الضحايا المدنيين الذين يُدفنون تحت أنقاض المنازل التي سوّتها الغارات الجوية والمواد الكيميائية.

 

الحرب الكيميائية ليست مجرد جريمة، بل هي دعوةٌ دامية. إنها تطالبنا بقطع كل الصلات بالنظام القديم والبدء من جديد: دستور جديد، وأدوات جديدة، ومؤسسات جديدة غير ملوثة بالدنس العسكري أو الديني.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com