منال علي محمود: استراتيجية الفناء: الحرب ضد دارفور – قتل جسدي وتفكيك رمزي

196
منال علي محمود

(في دارفور، يُعاد تعريف معنى أن تكون إنساناً كل يوم؛ حين تُقتل لا لأنك فعلت، بل لأنك تنتمي.)

– فرانشيسكا دي شاتيل

(ما يُحزن في دارفور ليس عدد القتلى، بل ما تسرّب من عزّة الإنسان تحت أنقاض البيوت المحروقة.)

– د. الوليد آدم مادبو

منذ اشتعال الحرب الأولى في جبال مرة مطلع الألفية، لم تكن دارفور ساحة لصراع عشوائي، بل مسرحاً مدروساً لمشروع طويل النفس، مُتقن الأدوات، متدرج الأهداف. هدفه لم يكن فقط السيطرة على الأرض أو الموارد، بل تفكيك الإنسان الدارفوري، وتقطيع روابطه الجمعية، وتحويله إلى مكونات قبائل متنازعة لا يجمعها سوى الموت المشترك. عبر السنين، اتخذ المشروع هذا وجوهاً متعددة، من الإبادة المباشرة إلى الحرب النفسية، من التهميش التنموي إلى استخدام بعض أبناء الإقليم أنفسهم في مواجهة بعضهم البعض.

من مأساة إنسانية إلى صراع قبلي

في بدايات الأزمة، كان العالم يتحدث عن دارفور كقضية إبادة جماعية، لكن مع الوقت، وتحت تأثير أدوات الدولة العميقة والإعلام الموجّه، تحولت القضية إلى ما يشبه (خلافات قبلية). تم سحب الطابع السياسي والحقوقي، واستُبدل بخطاب يكرّس فكرة أن ما يحدث هو مجرد صراع داخلي بين المساليت والعرب، الفور والزرقة، الزغاوة والآخرين. وهي تسمية خبيثة، مقصودة، لأنها تُعفي الفاعل الرئيسي، أي الدولة ومليشياتها، من المسؤولية.

في أحد تقارير الأخبار الرسمية بعد مجزرة في مورني، خُتم البيان بـ(نناشد الأطراف المتصارعة بضبط النفس). لم تُذكر كلمة دولة، ولا مليشيا، ولا حتى طرف واضح. مجرد أطراف… كأن الضحية قاتل نفسه، وكأن المجرم لا وجه له.

سلاح التقطيع الناعم

بمرور الزمن، جرى تسليح بعض أبناء الإقليم للانخراط في آلة الحرب، لا ضد منتهكي حقوقهم، بل ضد إخوتهم. وهكذا ظهرت ميليشيات محلية قاتلت أهلها، فقط لأن الصراع أُعيد تأطيره ضمن سرديات أمنية وعنصرية. تم شحن هذه المجموعات لتتحرك عند الطلب، تمت برمجتها لتتحرك عندما يُضغط الزر من الخرطوم.

من يختار ضحايا الإبادة؟

لماذا، كلما ذُكرت دارفور، ذُكرت المساليت فقط؟ هل لأن المجازر في الجنينة أبشع؟ أم لأن هناك توجهاً مقصوداً لحصر الضحية في مكون واحد؟ ماذا عن الفور، الزغاوة، البرتي، الداجو، التنجر؟ أليست كلها مكونات دارفورية عانت القتل والنزوح والتشريد؟ التلاعب بتسمية الضحية ليس بريئاً، بل هو جزء من مشروع نزع الطابع القومي عن المأساة، وحصرها في شريط قبلي واحد يسهل عزله سياسياً لاحقاً.

النجدة التي تحوّلت إلى تهمة

ما إن رفع أبناء دارفور صوتهم خارج حدود الدولة، وسعوا لإيصال مأساتهم للعالم، حتى انقلبت عليهم الساحة الداخلية. بدلاً من احتضان صرختهم، سُمّيت تحركاتهم خيانة، واتُّهموا بأنهم أدوات في يد الخارج. لم يُنظر إليهم كضحايا يبحثون عن عدالة غائبة، بل كعملاء يُشوّهون سمعة البلاد. التدويل، الذي هو خيار المضطر، صار عارًا يُطارد أصحابه، والنداء للنجدة تحوّل إلى تهمة أخطر من القتل نفسه.

المفارقة أن عمر البشير نفسه، في إحدى خطاباته، أقرّ بأنهم قَتلوا في دارفور ثلاثمئة ألف، وبـ(أسباب تافهة) كما وصف. ورغم ذلك، في نظر المركز، لا يزال أبناء دارفور هم محل الشبهة، لا محل التضامن.

الزغاوة نموذجاً – من الثورة إلى العزل

الزغاوة، لسنوات، حملوا شعلة المقاومة السياسية والعسكرية، بدءاً من حركة العدل والمساواة إلى جيش تحرير السودان. لكن مع تصاعد الحرب الأخيرة، بدأت حملة شيطنة منظمة ضدهم، تُظهرهم كأنهم (القبيلة المتمردة الطامعة في السلطة). تم تقديمهم للرأي العام كخطر على وحدة دارفور نفسها. وهكذا، تحول الضحية إلى متهم، وتحولت محاولات النجاة إلى تهمة.

حركات بلا روح، كفاح بلا قضية

في بداية الطريق، كانت حركات الكفاح المسلح امتداداً لصوت المظلومين، تعبيراً صادقاً عن الرفض الشعبي للقتل والتهميش والإبادة. لكن، مع مرور الزمن، وبدلاً من أن تتوحد في مسار مقاوم، تحوّلت إلى كيانات متنافرة، تمزقها المصالح الشخصية والتدخلات الخارجية. صار التمثيل السياسي يُمنح بناءً على القرب من المركز لا على عدالة المطالب. بعض الحركات نالت الرضا الرسمي، ووجدت طريقها إلى طاولات التفاوض، بينما تم تهميش أخرى وتشويهها، وكأن القضية لم تعد مقاومة الظلم، بل التسابق على شرعية التمثيل.

بعض القيادات ساهمت في توسيع الهوة بين الحركات باسم التمثيل، وبينما تفاوضت على الورق، كانت الأرض تبتلع من تُفاوض لأجلهم

. تفريخ المعارضة وتأليبها كمنهجية دولة

سياسة تفتيت قوى المعارضة لا تقتصر على الحركات المسلحة في دارفور فحسب، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية الوطنية أيضاً. هذا النهج مورس بشكل ممنهج لإضعاف كل من تخشاه الدولة عبر تفريخ وتقسيم هذه القوى إلى فِرَق متناحرة تتصارع على المناصب والتمثيل، بدل أن تتوحد على قضايا الشعب والمصلحة العامة. وقد ظهر ذلك بوضوح في حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، حيث تحولت الخلافات إلى انقسامات داخلية، فصار كل حزب بمثابة عدة فرق كرة قدم في الدوري المحلي، تنافس ليس من أجل الوطن، بل من أجل البقاء السياسي والتموضع في السلطة

من الكفاح إلى قتال المقاعد

لم تعد الحرب فقط في الجبهات، بل امتدت إلى غرف التفاوض وتكتيكات الإعلام. صارت بعض الحركات المسلحة تقاتل، حرفيًا، لأجل حقيبة وزارية أو مقعد في لجنة سيادية، وأُفرغت فكرة العدالة من محتواها. الإعلام الموجّه، سواء كان تابعاً للدولة أو للجهات المتصارعة، ساهم في هذا الانحدار، حين اختصر نضال سنين في مشهد توزيع الوزارات. والمفارقة أن هذه الصورة – ولو كانت ظالمة أحياناً – تجد ما يبررها في سلوك بعض القيادات، التي ما إن اقتربت من السلطة، حتى فقدت صلتها بجذور القضية.

من معركة الآدمية إلى لعبة التموضع

ومع تصاعد التشظي الداخلي، بدأ يتآكل جوهر القضية. لم تعد الحركات المسلحة تمثل طموح الإنسان الدارفوري في العدالة والحماية، بل غدت تسعى لضمان بقائها الذاتي، ولو على حساب من جاءت للدفاع عنهم. تخلّت عن خطاب (الحق الإنساني) وانزلقت تدريجياً نحو لعبة التموضع السياسي، حيث تُمنح المساحة لا بناءً على الموقف، بل بناءً على مستوى القرب من السلطة المركزية.

ومع أن هذا التحول يبدو خيانة لمبدأ المقاومة، إلا أنه أيضاً نتاج واقع لا يُطاق. فدارفور، رغم وفرة خيراتها، لا تموت جوعاً، بل تموت بنقص الدواء، بغياب المدارس، وبعزلتها التكنولوجية عن العالم. تموت لأنها أُقصيت من شروط البقاء العصري، ولأن سكانها صاروا محاصرين بين جهل مفروض، وفقر مصمم، وغياب مطلق للأفق. ولكي لا يحيوا كما تعيش البهائم، أو (أضلّ سبيلاً)، يجد بعضهم أنفسهم مضطرين لقبول فتات المركز، أو المجازفة بركوب البحر في قوارب متهالكة لا يملكون فيها معرفة جملة بلغة من يُفترض أن ينقذهم.

عندما توحدت دارفور…

في معركة أم دبيكرات (1899)، حين كانت الدولة المهدية تلفظ أنفاسها الأخيرة، تقدّمت دارفور بكل ثقلها، لا لتبكي على وطن يحتضر، بل لتقاتل حتى النهاية. كانت دارفور حاضرة لا في الأطراف، بل في قلب المعركة، برجالها وفرسانها وقادتها الذين اختاروا الموت في الميدان على أن يعيشوا بذلّ التبعية. حتى عمر البشير نفسه – وهو من همّش دارفور في سلطته – لم يكن ليتحدث عن الرجالة والصمود لولا أنه استشهد مراراً بتاريخ أم دبيكرات، وبمخزون الرجال السودانيين من دارفور الذين واجهوا المستعمر حتى الرمق الأخير.

عندما توحّدت دارفور خلف هدف واحد، لم تُنقذ نفسها فقط، بل حملت على أكتافها ما تبقى من شرف هذا الوطن. وتلك اللحظات ليست نوستالجيا، بل دعوة لإحياء الهمة في زمن الهوان.

دعوة لتأسيس الإنسان الدارفوري

دارفور لا تحتاج فقط إلى حلول سياسية، بل إلى مشروع يؤسس الإنسان نفسه من جديد ، أن يعرف حقه لا كمنةٍ من المركز، بل كحق أصيل لا يُمنح ولا يُنتزع بصفقة. أن يعرف أن واجبه ليس الطاعة، بل المساءلة. أن يدرك أن نجاته لا تكون بالتموضع، بل بالفهم والوعي والتمسك بجذوره. إنسان دارفور القادم يجب أن يكون واعياً بخطاب العالم، مدركاً لأدواته، قادراً على الدفاع عن قضيته بلغة العصر، لا بلغة الاستعطاف.

فهل يمكن لدارفور أن تعيد ترتيب صفوفها من جديد؟ أجزم انها نعم تستطيع

 

 

[email protected]

 

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com