أبراهيم مطر: من دفاتر حرب التحرير: انحسار الخطاب الموتور ورؤىً جديدة تتخلق

237
إبراهيم مطر ..

“نحن لم نهجرك مختارين/ لكنا قرفنا/ من مراحيض السياسة/ ومللنا من ملوك السيرك/ والسيرك/ وغش اللاعبين/ وكفرنا بالدكاكين التي تملأ أرجاء المدينة/ وتبيع الناس حقداً وضغينة/ وبطاطيناً وسجاداً وبنزينا مهرب/ آه يا سيدتي كم نتعذب/ حينما نقرأ أن الشمس في بيروت صارت كرة/ في أرجل المرتزقين”.

 

والكلمات لنزار قباني ذات “قنوع”، لم يترك له خياراً سوى “التبرؤ” مما اقترفت أيدي المجرمين، ممن هم على شاكلة إخوان الشياطين في السودان، فمن كان يصدق أنه وبعد دخول حرب أبريل عامها الثالث أن خطاب التحشيد العسكري ودعاوي الكراهية والعنصرية التي ظلت تنفثها صفحات الدواعش وغرفهم الإعلامية في ثقة متناهية صباح مساء، ستؤول إلى اللا شيء. وإن فجر الحقيقة الساطع ستبدأ خيوطه في الإشعاع هكذا مبكراً، وعلى مهل وئيد، تميز أوهام الليل “المبهمة”، عن يقين النهار الواضح، والملموس.

 

في العام الثالث للحرب زالت الغشاوة التي صنعتها شيطنة الدواعش للقوى المدنية، وصار الناس يسمعون عن أنشطتها الرامية لوقف الحرب، وجولاتها في دول العالم والإقليم، بل تجد من يدعوا لهم بالتوفيق في حقن الدماء والبحث عن حلول.

 

أعتقل ثلاثة أئمة مساجد في كل من “الدلنج” و”كادوقلي” و”الخرطوم بحري”، بعد أن جردوا حرب أبريل اللعينة من لبوس الكرامة الكذوب، وتركوها عارية أمام أعين الجميع، بكل ما حوت من قبح ومن دمار، وبين أولئك الصالحين، أن صعود إخوان الشياطين للسلطة من جديد هو ما فتح أبواب الجحيم على بلادنا، بيد عناصر الحركة الإسلامية داخل الجيش، والتي أشعلت الحرب وأدخلت فيها المليشيات والمرتزقة من كل جنس ولون.

 

قذف السودانيون بعبارات من قبيل “بل بس”، و”لا نستطيع العيش معاً”، “أجانب من عربان الشتات”، “تشاد والنيجر هم السبب” … الخ إلى سلة القمامة، لم تعد تهمهم افتراءات الدواعش على “كينيا” التي توعدوها بالهزيمة حال المواجهة العسكرية، أو اتهاماتهم للإمارات التي جعلت منهم “أضحوكة” في المحافل الدولية، إذ صار السودانيون يوجهون أنظارهم باتجاه المستقبل، يبحثون عن الأمان، وما يقيم الأود ويحفظ الكرامة.

 

ومع اجتماع الرباعية بشأن السودان وتصريحات الرئيس الأمريكي التي تستبعد الحل العسكري للصراع في السودان، بدا أن ثمة حلاً يلوح في الأفق، ولو على سبيل الكوة المفتوحة للأمل على الرغم ما يعلم الجميع عن الوضع السوداني من تعقيدات، وصار الناس يتسقطون أخبار تحالف السودان التأسيسي بعد أن انحاز إليه الملايين وحكومته المرتقبة في شيء من التطلع لنموذج مختلف.

 

انتهت أسطورة أن إقامة حكومة السلام داخل السودان هو ضرب من المستحيل بعد أن تم الإعلان عن الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي في مؤتمر صحفي بمدينة نيالا بالفعل، وأسقطت الدفاعات الجوية لقوات الدعم السريع طائرة بريقدار أقنجي فخر الصناعة العسكرية التركية والأحدث على الإطلاق في سماء الفاشر.

 

عاودت المحكمة الجنائية الدولية الحديث مجدداً عن ضرورة تسليم البشير وهارون وعبد الرحيم محمد حسين للجنائية وساندتها في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهو ما يشكل “قاصمة الظهر” للتنظيم الإخواني، باعتبار أن هارون هو من يجلس على مقعد رئاسة التنظيم اليوم، بعد أن أطاح بغريمه “ابراهيم محمود”، وهو كذلك الرجل الثاني في تنظيم الحركة الإسلامية بعد “علي كرتي”.

 

وكما يعلم الجميع فإن وعود الدواعش بتسليم المطلوبين للجنائية هي أشبه بـ:مواعيد عرقوب”، لكننا على الأقل وجدنا من يقول أن المجرم مكانه السجن بعد أن يحاكم، وجدنا من يقول إن إخوان الشياطين هم المجرمين، بعد أن أخرس الغرض والعنصرية والكراهية الألسن عن قول الحق حيناً من الدهر. واليوم فقط قال أحد أهم حلفاء تحالف بورتسودان وهو “مبارك الفاضل”، أن “عناصراً من المؤتمر الوطني المحلول أشعلوا حرب أبريل، ويجب تسليمهم للجنائية”.

 

إن الحلقة تضيق على دواعش “علي كرتي” شيئاً فشيئاً، وها هم يخسرون كرتهم الأخير “إشعال الحرب من أجل العودة للسلطة”، صحيح أن الجيش أعطاهم “رخصة مفتوحة للقتل” لكي يشفي غليل تعطشهم لدماء السودانيين، لكنهم باتوا يعلمون أن سلطتهم حتى في بورتسودان “منقوصة”، وغير قادرة حتى على حماية قياداتهم من المحاكمات. قال الزعيم الراحل نيلسون مانديلا: “إن منحنى العالم الأخلاقي طويل، لكنه يميل دائماً في نهاية الأمر، باتجاه العدالة”. ألا لعنة الله على إخوان الشياطين.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com