منال علي محمود: الماجنا كارتا السودانية الجديدة

200
منال علي محمود

منال علي محمود

[email protected]

لم تكن الماجنا كارتا وثيقة عابرة في تاريخ البشرية، بل كانت لحظة افتكاك رمزية من استبداد الملك لصالح النبلاء. صحيح أن الوثيقة الأصلية لم تتحدث عن الشعب ككل، لكنها فتحت الباب لتصور جديد: أن السلطة ليست مطلقة، وأن الحاكم يمكن تقييده بالقانون، ولو بالقوة.

نستعير روح تلك الوثيقة اليوم، ونحن نرى التعدي لا يقع فقط من جهة واحدة، بل من كل الجهات. قلع الأراضي، وتوزيع الوظائف بالمحسوبية، وصناعة النخب بالصوت العالي لا بالكفاءة، كلها تجليات لاستبداد جديد بثوب مدني أو ثوري.

المشكلة ليست فقط في من يحكم، بل في كيف يُمنح هذا الحكم، وعلى أي أساس تُستقطع الجغرافيا أو تُوزع الامتيازات. حفرة النحاس ذهبت شمالا، لا بناء على إرادة أهلها، ولا وفق استفتاء، بل بقرار فوقي، أشبه ما يكون بمزاج ملك من ملوك القرون الوسطى.

ومن المثير أن من تُمنح لهم المناصب ليسوا دوما الأكفأ، بل هم الأعلى صوتا، والأكثر إسفافا، والأكثر تطبيلا في السوشيال ميديا. حتى أصبح المعيار الجديد للتمكين هو أن تكون متفرغا ٢٤ ساعة على الفيس بوك، تلعن المدنيين وتربط كل شر بالحرب في دارفور، عندها سيقال عنك (مؤهل لوزارة)

أما الكفاءة فصارت جريمة. من يملك الخبرة، أو المؤهل الأكاديمي، أو السجل النظيف، عليه أن يصمت حتى لا يُتهم بالصفوية أو النخبوية. وكأننا أمام عدالة عكسية: كلما كنت أقل كفاءة وأكثر غوغائية، صعد نجمك.

في العام 1215، حين وُقعت الماجنا كارتا في إنجلترا، لم يكن الهدف منها ترفا قانونيا، بل كانت صرخة في وجه السلطة المطلقة، ومحاولة أولى لتحصين الحقوق ضد مزاج الحاكم. ومنذ ذلك الحين، قطعت البشرية شوطا طويلا في بناء نظم تحترم الإنسان وتُخضع المسؤول للمساءلة. لكننا، في السودان، سلكنا الطريق المعاكس: نسفنا الفكرة من جذورها، وعدنا إلى حكم الأهواء والولاءات. صارت الحقوق تُمنح كمنحة، وتُسحب كشبهة، وصار سؤال الكفاءة وقواعد الخدمة المدنية من بقايا ماضٍ لا يليق بسلطة تبحث عن بيعة لا مساءلة فيها.

(وسنُسأل)

عن دولة تحولت فيها المصلحة العامة إلى قرار فردي

يُتخذ على المزاج

ويُنفذ على المقاس

فلا مجلس ولا مؤسسة ولا لائحة

بل مسؤول يمتلك السلطة ويديرها كما يدير صفحة شخصية

في وطن كهذا

يصبح القاضي موظفا يتلقى التعليمات

ويغدو القانون وثيقة مرنة

تُطوى إن كانت في غير مصلحة المتنفذين

وتُفرد إن أرادوا بها تصفية حساب

منظومة العدالة أصبحت جزءا من أدوات الصراع

لا ضامنة له

تحاكم من يعارض

وتُبرئ من يطبل

حتى صار الناس يخافون من المحاكم

ويؤمنون بالإفلات من العقاب أكثر من إيمانهم بالعدالة

 

انهارت المؤسسات ولم يعد هناك كيان محترم يحتكم إليه الناس

لم تعد الدولة مكانا للخدمة

بل حلبة للصراع

وكل من فيها يبحث عن غنيمته

لا عن إصلاحها

 

هذا ليس مجرد خلل في الإدارة

بل اغتيال لفكرة الدولة نفسها

اغتيال منظم، صامت، بطيء، لكنه فعال

(وهكذا)

لم يتبق من الوطن إلا صورته

وشعاراته

ونشيج المنكوبين الذين ينادون بوطن لا يعرفهم

ولا يعترف بهم

ولا يراهم إلا في موسم الدم

لن يكون هناك جيش واحد ولا شعب واحد إن كانت هذه هي المعايير

لا تُبنى الأوطان بالتحشيد

ولا تُحمى بالشتائم

ولا تُدار الدولة بوسوم الترند

ولا بتصنيف الوجوه أو البلاغات الكيدية

بل تُبنى بالقانون

وتُحمى بالعدالة

وتُدار بالكفاءة

ونحن حين ننتقد، لا نمارس الحقد الطبقي، ولا الجهوية، ولا العنصرية، بل نُعرّي المنظومة التي صنعت هذا الفشل، وخلقت من الوطن منتفعاً ومتضرراً، ومن الهوية عبئاً سياسياً، ومن التنوع لعنة بدلاً من كونه ثروة.

 

وما لم نعد إلى هذه البديهيات

فلا جدوى من كل هذا الصراخ

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com