الصراع على إفريقيا يشتعل .. واشنطن تحشد أمنها لمنافسة النفوذ الصيني في الجنوب

155
افر

وكالات – بلو نيوز الإخبارية

بينما تزداد حدة المنافسة الجيوسياسية على القارة الإفريقية، تكثّف الولايات المتحدة جهودها لتقليص الفجوة المتزايدة مع الصين، خصوصًا في جنوب القارة، حيث تتعاظم الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والموانئ الحيوية. وفي قلب هذا الصراع، تلعب القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) دورًا متقدماً في دعم التحركات الدبلوماسية والاقتصادية لواشنطن.

التجارة لا المساعدات”: تحوّل في العقيدة الأميركية

في ظل توجه إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نحو شعار “التجارة لا المساعدات”، تغيّر نمط الانخراط الأميركي في إفريقيا، مع تقليص دور الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لصالح أدوات جديدة أكثر تركيزًا على الشراكات الأمنية والتمويل الاستثماري الإستراتيجي.

وتُبرز زيارة الفريق جون برينان، نائب قائد “أفريكوم”، إلى كل من أنغولا وناميبيا مؤخرًا هذا التوجه، حيث أجرى لقاءات رفيعة مع مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية لبحث سبل تعزيز التعاون الأمني والعسكري، كمدخل ضروري لجذب الاستثمارات الأميركية وتعزيز النفوذ في وجه المنافس الصيني.

الأمن أولًا .. ثم الاقتصاد

في مؤتمر صحفي عقده في 28 يوليو/تموز، شدد برينان على أن “الأمن هو حجر الأساس لأي استثمار ناجح”. وفي ذات السياق، أكد السفير روبرت سكوت، نائب قائد أفريكوم للتعاون المدني-العسكري، أن وجود بيئة آمنة ومستقرة يُمكّن الشركات الأميركية من الدخول بقوة إلى السوق الإفريقية.

وسلط برينان الضوء على مشروع “ممر لوبيتو” الذي يربط ميناء أنغولا بمناطق التعدين في الكونغو وزامبيا، بالإضافة إلى خطة ناميبيا لتحويل ميناء وولفيس باي إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، كمشاريع تحتاج إلى دعم أمني مباشر لحمايتها وضمان استدامتها.

قائد عسكري أميركي وعناصر الكوماندوز الصومالية بقاعدة بليدوجلي غرب مقديشو (قيادة أفريكوم)

تهديدات في الأطراف .. وخطر العدو الخفي

ورغم أن كلًا من أنغولا وناميبيا لا تعانيان من عنف جماعات مسلحة نشط، إلا أن “أفريكوم” تحذّر من تهديدات غير مباشرة تشمل تسلل خلايا من تنظيم الدولة الإسلامية عبر الحدود مع موزمبيق وجنوب إفريقيا، إلى جانب شبكات تهريب مخدرات عابرة للحدود مدعومة من عصابات مكسيكية.

وتعمل القيادة الأميركية، بحسب برينان، على برامج تدريب وتجهيز عسكري لرفع جاهزية الجيوش المحلية، بالتعاون مع مجموعة “سادك” (مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية)، التي تلعب بوتسوانا فيها دورًا محوريًا في التنسيق الأمني الإقليمي.

الرئيس الأميركي السابق بايدن يصافح نظيره الأنغولي لورينسو بالبيت الأبيض العام الماضي (الفرنسية)

الصين تسبق .. وواشنطن تلاحق

بالمقابل، تواصل الصين توسعها العميق في البنية التحتية الإفريقية، حيث استثمرت في تطوير ميناء وولفيس باي، وتُعد اليوم شريكًا رئيسيًا لعدة دول جنوبية في قطاعات الموانئ والطاقة والنقل، وخلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي، حذّر السيناتور الجمهوري بيل هاغرتي من تحول ناميبيا إلى نقطة ارتكاز صينية في جنوب القارة، قائلاً إن “الموانئ التجارية التي تبنيها بكين قد تستخدم لاحقًا لأغراض عسكرية مزدوجة”، ما يهدد المصالح الأميركية في حال نشوب نزاعات إقليمية أو دولية.

أدوات جديدة .. وتحالفات محلية

وفي ظل الانكماش النسبي لأدوار التنمية التقليدية، تراهن واشنطن على أدوات بديلة لتعزيز وجودها في إفريقيا، منها:

  • برنامج الشراكة بين الولايات الأميركية والدول الإفريقية، حيث تم ربط أنغولا بولاية أوهايو لتعزيز التعاون الأمني والتعليمي؛
  • توسيع صلاحيات مؤسسة التمويل الإنمائي الدولية، مع اقتراح ترامب رفع سقف استثماراتها من 60 إلى 250 مليار دولار؛
  • تخصيص 2 مليار دولار لمكتب رأس المال الإستراتيجي بوزارة الدفاع، لاستقطاب استثمارات خاصة في مشاريع ذات أولوية للأمن القومي.
الرئيس الصيني (وسط) مع القادة الأفارقة بافتتاح منتدى الصين الأفريقي 2024 (رويترز)

أفريقيا مسرح للمنافسة الكبرى

وفي تصريح لافت، قال الفريق داغفين أندرسون، المرشح لقيادة أفريكوم: “إفريقيا اليوم ليست مجرد جغرافيا نامية، بل مسرح اقتصادي للقوة… علينا أن نحسن استثمار مواردنا المحدودة بالتعاون مع الخارجية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص”.

قراءة ختامية

بينما تواصل الصين تقدمها الاستراتيجي في عمق القارة، تبدو الولايات المتحدة في سباق مع الزمن لإعادة تموضعها، مستندة إلى أدوات جديدة تمزج بين الأمن والاقتصاد. لكن يبقى التحدي الأبرز: هل تستطيع واشنطن مجاراة المرونة الصينية؟ وهل يقتنع الأفارقة بأن “البديل الأميركي” يخدم مصالحهم بالفعل؟

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com