منال علي محمود: السودان بين العقوبات والكارثة، من (تحت جزمتي) إلى تحت التوقيع

224
منال على محمود

منال علي محمود
[email protected]
لم تأت العقوبات الأخيرة، ولا موقف الرباعية، من فراغ، فمصر والسعودية والإمارات لم يكونوا ليرفعوا أيديهم بالموافقة لولا أنهم أدركوا أن ما يجري في السودان قد تجاوز حدود الصمت، وأن الواقع أصبح يستحق التحرك.

لقد جاء الدليل من حيث لم يتوقع أحد، من كاميرات القتلة أنفسهم، صوروا جرائمهم، وبثوا التنكيل كأنهم يعرضون بطولة، فصار الدم وثيقة، والجريمة اعترافا معلنا، والعالم الذي طالما تجاهل لم يعد يستطيع أن ينكر، من القتلة الذين وثقوا جرائمهم بالصوت والصورة، إلى الجماجم التي صارت دعاسات للأقدام ولعبا للأطفال، ومن الوجوه الغريبة التي صارت (بدون)، لا ملامح لها ولا هوية، كأنها محو متعمد للإنسان قبل الأرض.

أما الشعار الأجوف (أمريكا تحت جزمتي)، فقد انتهى بخاتم وزارة الخزانة الأمريكية، هكذا تحول التحدي من صيحات في الهواء إلى عقوبات مكتوبة على الورق، منطق الكرامة المزعومة انقلب إلى إذلال معلن، ومن الجزمة خرج القرار.

ويا لها من (كرامة)، باسمها شرد الملايين، وباسمها نزح الأطفال، وباسمها تفشت الأمراض، وباسمها قتل الأبرياء، صارت الكرامة التي يرفعها أمراء الحرب مرادفا للمهانة، وغطاء للمقابر ومعسكرات النزوح.

بينما الشعب يسحق كل يوم، يواصل المنتفعون تجارة الحرب، شعارات تباع، ومكاسب تشترى، وبين الطرفين بون شاسع لا يراه إلا من فقد بيته أو جاع طفله أو دفن أحبته.

والمفارقة أن من يرفضون الحرب داخل السودان يجدون أنفسهم خاضعين لشروطها المعلنة، فصوت المدافع أصبح أقوى من صوت العقل، والواقع الذي يفرضه السلاح صار هو القانون الوحيد، بين الرفض المبدئي والرضوخ القسري تتجلى مأساة أمة تقاد إلى الجحيم وهي تدرك الطريق.

ثم نسمع من مؤيدي الحرب تفسيرا مضحكا مبكيا، (كلما انتصر الجيش، فرضت أمريكا عقوبات جديدة)، أي ضحالة تفكير هذه، متى كانت العقوبات مرتبطة بنتائج المعارك، إنها تفرض بسبب الانتهاكات، بسبب الدماء الموثقة، لا بسبب تقدم أو تراجع على خريطة القتال.

أزمة السودان الحقيقية تكمن في بنية الدولة وكيفية إدارتها، نظام حكم لا يعرف سوى الخراب، صار مادة للتندر في القنوات، كلما خرج (خبير استراتيجي) ليتحدث بلسان أجوف، دولة فقدت البوصلة حتى غدت أضحوكة في عيون الآخرين.

ومع كل عقوبة، يثبت الواقع الموجع، من تسببوا فيها يجدون طرقا للالتفاف عليها، بينما الشعب وحده يتحمل الكلفة، هنا يطرح السؤال نفسه، هل وعينا الدرس كشعب أجبر على ابتلاع البلادة، أم أن الرباعية هذه المرة هي التي وعته بدلا عنا.

لقد آن الأوان أن يتوقف هذا التردي، آن أن يكون للسودان قائد يقسم على خدمة شعبه لا حزبه، على حماية وطنه لا سلطته، آن أن ننتزع كرامة حقيقية، لا شعارات زائفة ولا أوهاما يختبئ خلفها تجار الحرب.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com