منعم سليمان: “كرامة” على جماجم الأطفال!
منعم سليمان
اعتصرني الألم وأنا أستمع أمس إلى حديث مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، وهو يفتح جراح المأساة السودانية التي انفجرت منذ الخامس عشر من أبريل.
حديثه لم يكن مجرد إحصاء للأوجاع، بل كان مرآة دامية تكشف ما خلّفته الحرب من جوع يفتك بالأجساد، ومرض ينهش الأرواح، وتشريد يبعثر الملايين، وخراب أعاد البلاد عقودًا، بل قرونًا، إلى الوراء.
غير أن أكثر ما هزني وأشعرني بالضعف والخزي، كإنسان قبل أن أكون سودانيًا، قوله: 522 ألف طفل ماتوا منذ اندلاع الحرب .. يا للهول .. أكثر من نصف مليون طفل!
رقم مرعب يتجاوز كل وصف، ويصعق الضمير البشري.
إنه رقم يفوق أعداد الأطفال الذين ماتوا في معظم حروب العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ففي غزة، التي اشتعلت حربها بواسطة نفس التنظيم (كيزان فلسطين)، وفي العام نفسه، كان عدد الضحايا من الأطفال قرابة خمسة عشر ألفًا. وفي اليمن، وقد عانت حربًا ضروسًا استمرت عشرة أعوام، بلغ العدد خمسةً وثمانين ألف طفل.
أما السودان، الذي أشعل كيزانه حربه قبل عامين ونصف، فقد تفرد بالرقم الأكثر رعبًا: أكثر من نصف مليون طفل بين قتيل ومفقود وضحية جوع ومرض! أي كارثة هذه؟ وأي منحدر وحشي انزلقنا إليه؟!
هذا الرقم الذي ينفطر له قلب الحجر كافٍ وحده لوقف أي حرب مهما كانت مسبباتها وعلى الفور، ولكن قلوب الكيزان كالحجارة أو أشد قسوة!
قلوب لا ترق أمام الموت الجماعي للأطفال، ولا ترتجف أمام أمهات يندبن أبناءهن في صمت موجع .. قلوب لا تنبض إلا للسلطة التي يزعمون أنهم يريدونها لله، فيذبحون أطفال السودان تقربًا إليه!!
إنهم يقتلون الأطفال باسمك يا الله، وأنت الرحمن، وأنت الرحيم، وأنت العليم .. وأنت المنتقم.
والمأساة أنه بينما ينشغل العالم الحر بمأساة حرب السودان، يعتلي “كميل إدريس”، رئيس وزراء الأمر الواقع في بورتسودان، منبر الأمم المتحدة، لا ليتحدث عن موت الأطفال والجوع والخوف والتشريد، بل ليستغل المأساة لتجميل صورة من أشعلوا الحرب وصورة مشغله، قائد الانقلاب الحالم بحكم السودان على جماجم الأطفال!
اعتلى الدمية منبر الأمم المتحدة ممارسًا عبثه وطفوليته ولهوه الفاضح، فتحدث كعادته طويلًا عن كل شيء دون أن يقول شيئًا، بينما أكثر من نصف مليون قبر صغير تنظر في وجهه وتسأل: أين الطفولة التي ذُبحت؟
أي ازدواجية مرضية يعيشها هذا القواد العجوز؟
حرب ضروس على المدنيين، تقابلها سخرية وقحة من المأساة الإنسانية أمام المنابر الدولية. أيتحول موت نصف مليون طفل إلى خبر غير مهم يستعاض عنه بتجميل وجه القاتل أمام العالم؟ أي زمن هذا الذي يختزل فيه الموت والجوع والمرض والدماء في جملة خطابية معممة لتبييض وجه الطغاة؟
إن ما يجري في بلادنا ليس مجرد حرب عابرة كبقية الحروب، بل وصمة عار سوداء في جبين القرن الحادي والعشرين. مأساة تعري إنسانيتنا أولًا وإنسانية هذا العالم، وتفضح وحشية سلطة جعلت من موت الأطفال وسيلة لتثبيت سلطانها.
نصف مليون طفل ليسوا أرقامًا في تقرير؛ إنهم صرخة مدوية ستظل تطارد القتلة والساكتين على حد سواء، وإنها لعنة ستلاحق كل من يضع يده في يد البرهان وكيزانه، قتلة الأطفال!
