منال علي محمود: اللعبة التي لم نرها .. كيف جعلونا نغضب على لينا ونسامح البشير!!
منال علي محمود
في لحظة واحدة، انشغل الجميع بلينا يعقوب.
من أعد التقرير، من صوره، من سمح ببثه؟
تدافع الناس في سيل من الأسئلة، ونسوا أهم سؤال على الإطلاق،
كيف لرجل أسقطته ثورة ديسمبر أن يعيش في منتجع فاخر عند سد مروي، تحرسه القوة ذاتها التي يفترض أنها جاءت بعده؟
كيف لرئيس أُدين بالفساد أن يحيا في عزلة مرفهة، متصلًا بالإنترنت عبر (ستارلينك)، بينما يموت الناس عطشًا وجوعًا وانقطاعًا للكهرباء؟
كيف لرجل مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية في جرائم تطهير عرقي وإبادة لأهل بلده، وكان مسجونًا بأمر السلطة القضائية حتى قيام الحرب، بينما يُسجن ويُسحل من يُشتبه في شكله أو لا يُرتاح لطريقة مشيته؟
ثورة ديسمبر خلعت البشير وأتت بالبرهان، فلمن يدين بالولاء؟
لكن هذه ليست مصادفة،
فالمصادفات لا تصنع عواصف إعلامية بهذا الحجم في ساعات.
ما حدث كان فخًا متقنًا، نُصب لنا جميعًا.
الإسلاميون يعرفون جيدًا كيف يحرّكون الغضب،
يعرفون متى يرمون الطعم، وأي خيط سيلتقطه الجمهور أولًا.
لقد فاجأهم التقرير، لأنه كشف ما حاولوا طمسه،
أن عمر البشير ليس سجينًا ولا مريضًا ولا مظلومًا، بل يعيش مكرمًا في رعاية الدولة التي أتت بعده.
فماذا فعلوا؟
لم يدافعوا عنه مباشرة، بل لجؤوا إلى حيلتهم الأقدم، قلب المشهد.
حوّلوا المدان إلى ضحية، والمذيعة إلى جانية.
خلقوا ضجيجًا متعمدًا حول شخص لينا، وصار السؤال عن (حقيقة التقرير) سؤالًا عن (ولائها).
وسُحبت تصاريحها، وبدأت آلة الاتهام تدور.
وبينما كان الناس يتجادلون حولها،
انطفأ الحديث عن البشير،
وانشغل الجميع بالدفاع عن (الوطن) من خيانة لم تقع.
تلك هي براعتهم الحقيقية،
أن يجعلوك تتكلم بحرارة في الاتجاه الخطأ،
أن يُشعروك بالوطنية وأنت، دون أن تدري، خائن يحرس روايتهم القديمة،
لقد غاب السؤال الأهم،
من الذي موّل رفاهية البشير في زمن الحرب؟
من الذي وفّر له الكهرباء والاتصال الفضائي؟
هل هي أموال الذهب؟ أم بترول لم نره قط؟
أم هو وجه آخر لغياب العدل الذي بدأ منذ ثلاثين عامًا ولم ينته بعد؟
لم يُخدع الناس هذه المرة، بل تواطأوا بلا وعي في الخداع،
غضبوا بالطريقة التي أرادوها،
وصمتوا في اللحظة التي كان يجب أن يُسمع فيها الصوت.
وهكذا يُدار الإعلام وتُسوّق القضايا،
وبين التتفيه والشتم والافتعال والاستهداف،
يضيع جوهر كل قضية،
وتبقى الحقيقة في ركن مهمل لا يبحث عنه أحد،
حتى ننفض عن عقولنا الكسل، ونرفض السيناريوهات المعلبة،
ونستعيد قدرتنا على طرح السؤال الصحيح في وجه من يصنع لنا الأجوبة.
