ميرغني أبشر: ورطة الوصمة الإخوانية .. البرهان بين وطأة تعليق صفقات الأسلحة وانسداد المخارج

200
البرهان

ميرغني أبشر

في لحظةٍ سياسيةٍ بالغة القسوة والتعقيد يمر بها نظام عبد الفتاح البرهان، وسنده الرئيس الحركة الإسلامية، حملت الأخبار الموثوقة، اليوم الثلاثاء 24 مارس 2026، تطوراً جديداً لطبيعة المأزق الذي يواجه السلطة القائمة في بورتسودان. فقد أورد موقع أفريكان إنتلجنس” Africa Intelligence” المعروف بطابعه الاستقصائي المتخصص في تعقّب حركة السلاح في أفريقيا، والمرتبط في تقديرات المتابعين بدوائر نفوذ غربية فاعلة في غرب القارة، نبأ تعليق مشروع عقد الإمداد العسكري للقوات المسلحة السودانية مع باكستان، والذي تم بوساطةٍ سعودية.

الاتفاق، البالغ حجمه 1.5 مليار دولار، ظل قيد الإبرام منذ يناير الماضي، وكان يُعوَّل عليه لتزويد الجيش السوداني بمقاتلات JF-17 وطائراتٍ مسيّرة وأنظمةِ دفاعٍ جوي، في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط العسكرية على قواته. غير أن تعليق الصفقة لم يأتِ مفاجئاً في سياقٍ تتآكل فيه الثقة بين الرياض والخرطوم، على خلفية تصريحاتٍ أطلقها قادة مليشيات إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش، دعوا فيها إلى مساندة إيران في استهدافها لدول الخليج عقب الهجمات التي طالت السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر بطائراتٍ مسيّرة إيرانية.

ردة الفعل السعودية حملت قدراً واضحاً من خيبة الأمل تجاه قيادة القوات المسلحة السودانية، التي باتت، في نظر الرياض، عاجزةً عن الوفاء بالتزاماتها العسكرية والسياسية. ومن هنا بدأ التحول في المقاربة السعودية، عبر دفعٍ علني نحو قيام حكومة مدنية مستقبلية، بعدما تراجعت القناعة بإمكانية التعويل على الجيش السوداني شريكاً طويل الأمد في ترتيبات الإقليم الأمنية.

وفي الداخل السوداني، تكشّف عجز حكومة الخرطوم وقيادة الجيش عن فك الارتباط مع الإسلاميين المتحالفين مع القوات المسلحة، وهو ما أثار انزعاج القاهرة، الحليف الأكثر ثباتاً للخرطوم في حربها ضد قوات «تأسيس». فرغم استمرار مصر في تقديم الدعم التقني الميداني، فإن بقاء الفاعلين الإسلاميين داخل بنية الحرب بات عبئاً سياسياً على شبكة تحالفات البرهان الإقليمية. وفي محاولةٍ لإظهار حسن النية تجاه العواصم الخليجية والغربية، أقدم البرهان في 15 مارس على اعتقال إلنَاجي عبد الله، زعيم ميليشيا «المستنفرين» الإسلامية، عقب تصريحات مؤيدة لإيران، رغم تاريخ الدعم الإيراني الطويل للقوات المسلحة السودانية.

يتزامن ذلك مع مفاوضاتٍ تقودها دول الرباعية — الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات — بالتنسيق مع عواصم غربية أخرى قبيل مؤتمر برلين المرتقب في 15 أبريل. وقد اتخذت واشنطن خطوة ذات أثرٍ مباشر على تماسك قاعدة البرهان السياسية، حين صنّفت الحركة الإسلامية وواجهاتها العسكرية والمدنية منظومات داعمةً للإرهاب الدولي، مطالبةً بإقصاء الإسلاميين بصورة صارمة من المجالين السياسي والعسكري.

تأتي الضغوط الخارجية في لحظة يتزامن فيها الضغط الدبلوماسي مع تراجعٍ ميدانيٍّ واضح. فقد أفادت التقارير بتضارب الأنباء حول سيطرة قوات «تأسيس» على اجزاء واسعة من مدينة الكرمك الاستراتيجية في جنوب النيل الأزرق، بما تحمله من رمزية تاريخية في مسار الحروب الأهلية السودانية. وتعيد هذه التطورات طرح السؤال القديم المتجدد حول طبيعة الجيش السوداني ذاته، وحاجة إعادة بنائه على أسسٍ تعكس التنوع العرقي والثقافي للمجتمع، خاصة عقب إستهداف الجيش السوداني لمشفى الضعين، حتى لا يتحول الجيش إلى أداةٍ تُستخدم بغطاءٍ قوميّ زائف في صراعات ذات جذور إثنية وثقافية.

كما تأتي الخطوة السعودية عقب اجتهاد سياسيّ من قبل نظام الخرطوم لتغيير الوجوه الإسلامية وترميم مؤسسات الدولة بأخرى محسوبةٍ صورياً على القوى المدنية الديمقراطية، رغم اشتراكها مع الإسلاميين في منطلقاتهم النظرية في حرب ما يُسمى بالكرامة، ورفضهم انتقالاً مدنياً حقيقياً يمكن أن يزيل تمكين جماعة الإسلام السياسي من مفاصل الدولة السودانية. ويترافق ذلك مع إعادة قوى الثورة لتفعيل لجنة إزالة التمكين من أجل ملاحقة أموال الجماعة الإسلامية داخلياً وخارجياً، في مؤشر إلى تجفيف ماليٍّ محتمل قد ينعكس مباشرة على القدرات العسكرية للحلف القائم بين الجيش والإسلاميين.

وفي سياق البحث عن مخارج بديلة، طرح المستشار السياسي أمجد فريد مقترح محاكمة الرئيس المخلوع عمر البشير في الدوحة، في خطوة تحمل أبعاد مغازلة سياسية لقطر أملاً في فتح قنوات تمويل بديلة لصفقات التسليح المتعثرة. غير أن استمرار النفوذ الإسلامي داخل المؤسسات الأمنية يظل عاملاً يقوّض شرعية البرهان بوصفه قائداً عاماً للقوات المسلحة.

هذه المقاربة القطرية ليست معزولةً عن خطواتٍ سابقة، إذ نقل البرهان عائلته من تركيا إلى الدوحة خلال العام الثاني للحرب الأهلية عقب وفاة ابنه في حادث سيرٍ غامض الملابسات. ومع ذلك، حرص على إبقاء العلاقة مع أنقرة قائمةً نظراً لأهميتها كمورّد رئيس للطائرات المسيّرة الهجومية، وهو ما انعكس في اتصاله الهاتفي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 11 مارس، معرباً عن دعمه عقب إسقاط طائرات مسيّرةٍ إيرانية فوق الأراضي التركية. وتعكس هذه التحركات أيضاً ميلاً إسلامي الهوى لدى مستشاريه الجدد إلى التعاطي مع قطر بوصفها وسيطاً دائماً بين القوى الغربية والتيارات الإسلامية السياسية في المنطقة.

إقليمياً، أسهمت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية في إعادة تشكيل خرائط التحالفات بصورةٍ متسارعة، مع تقاربٍ خليجيٍّ غير مسبوق أعاد ضبط العلاقات بين الرياض وأبوظبي والدوحة وفق معادلات القرب والابتعاد من طهران. وفي هذا السياق، يبدو أن خصوم الإسلاميين عسكرياً لا يعانون نقصاً في الإمداد، وهو ما تعززه معلوماتٌ عن اجتماعاتٍ لقادة عسكريين مكثفة لدول الإقليم، إلى جانب اتساع رقعة القتال واستنزاف الجيش ميدانياً، بما يدفع الكفة تدريجياً ضد نظام الإسلاميين في الخرطوم.

أخيراً، يتقلص هامش المناورة أمام السلطة السودانية ليكاد ينحصر في مبادرة الرباعية الدولية، بينما قد تقود سياسة التسويف واستراتيجية انتظار المجهول إلى واقعٍ تصبح فيه تلك المبادرة مملحةً لا يليها سوى يابسةٍ عسيرة المضغ.

What do you feel about this?