مهدي عبدالله حامد: وثيقة الحقوق في الدساتير بين “بريق النص ومأزق التطبيق
مهدي عبدالله حامد
إنّ الدساتير التي لا تحرسها اليقظة الشعبية، ليست سوى عقود إذعان يكتبها المنتصر بمدادِ الغلبة ولغة القوة” ويقول الحكماء في هذا الصدد «إنَّ ما استحق أن يُسّمىَ قانونًا هو ما كان وبالًا على الضعفاء وسياجًا للأقوياء» وكذلك في عُرف الفقه الدستوري الرصين، تظل “وثيقة الحقوق” مجرد نصٍ فاخم باذخ الجمال، أو “تحفة إنشائية” معلقة على جدران التاريخ، ما لم تتحول إلى كائنٍ حيّ يتنفس في رئة العدالة، وكما ان الحقوق لا توهب بجمال النصوص، بل تُنتزع بصرامة الضمانات.
فلقد ظل السودان، عبر حقب ما نُطلق عليه “السودان القديم” أسيرَ مفارقةٍ عبثية؛ جودةٌ في صياغة المتون الدستورية، يقابلها “لاهوتٌ” سياسي متغول، حوّل السلطة من خادمٍ للمجتمع إلى إلهٍ يمنح الحقوق ويستردها بوازع الهوى لا بموجب القانون، وهذا التغول لم يكن مجرد انحرافٍ إداري، وانما كان عقيدةً سياسية ترى في الحقوق الدستورية “منحةً سلطانية” لا أصلًا وجوديًا للمواطنة، والشاهد هنا هو، ان ماضينا مثقل بنقض العهود والمواثيق والانقلابات العسكرية وإجراءات الطوارئ، وما إلي ذلك من عبارات ترقبوا وإلي حين اشعار آخر.
واليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة تتطلب “مرافقة قانونية للمستقبل” وعليه فلم يعد الترف الفكري في تحسين الصياغات بسببًا كافيًا، حيث لم يكن المأزق يومًا في شُحّ المداد، وإنما كان في “عُقم التطبيق” واليوم آمال السودانيين والسودانييات المعلقة على “تحالف تأسيس” ليست مجرد رغبة في التغيير الشكلي، بل هي نداءٌ لاستعادة “روح النص” من براثن السلطوية، وإرساء عقدٍ اجتماعي جديد يخرج من رحم الأزمات الكبرى ينهي حقبة “اللاهوت المتغول” ويؤسس لسيادة الحق، حيث لا يعلو صوتٌ فوق صوت الدستور، ولا حصانة لمستبدٍ خلف جدار النص، فهل ينجح السودانيون هذه المرة في تحويل “وثيقة الحقوق” من صرخة في وادٍ، إلى منارة للحاضر ودرعٍ يحمي المستقبل.
وقد انطلقت رحلة السودان مع الدساتير منذ فجر الاستقلال، متعثرة بين دساتير 1953م تحت إشراف الحاكم العام البريطاني، وبعده دستور الأزهري 1956م، والدستور المؤقت لعام 1964م سر الختم الخليفة، مراراً بدستور نميري 1973م، ثم دستور سوار الدهب 1985م، ووصولًا إلى دستور “البشير، الترابي” 1998م ودستور نيفاشا 2005م، ومرورًا بالوثيقة الدستورية لعام 2019م، سلسلة من المحاولات التي بقيت في غالبيتها حبرًا على ورق، عجزت عن لجم تغول السلطة أو رتق فتق النسيج الاجتماعي واليوم، ونحن نطل على فجر جديد مع “دستور السودان التأسيسي 2025م حميدتي” لنجد أنفسنا أمام الوثيقة الأضخم والأفخم صياغةً وفلسفةً، تلك التي لم تدع شاردة ولا واردة في فقه الحقوق والحريات إلا وأحاطت بها، لكنها في ذات الوقت تقف وجهًا لوجه أمام مختبر التجربة والتاريخ، في بلاد أدمنت النكوص عن العهود، وهنا الحكمة الأفريقية تقول “الكلمات الجميلة لا تملأ المعدة” ونحن نقول إن النصوص الباذخة لا تصنع وطنًا ما لم تتحول إلى سلوك تمارسه مؤسسات “تحالف تأسيس” على أرض الواقع.
فلقد ظل “السودان القديم” غارقا في أزمات مركبة، حيث كانت وثائق الحقوق في دساتيره المتعاقبة مجرد واجهات تجميلية لأنظمة شمولية أو حزبية ضيقة، فكان النص يمنح الحق باليمين، وتنتزعه القوانين المقيدة للحريات بالشمال، مما خلق فجوة سحيقة بين “الاستحقاق الدستوري” و”الممارسة السلطوية” وكما إن استدعائي للماضي المؤلم ليس فتحًا للجراح، بل هو تذكير لحكومة التأسيس بأن الشعوب لا تلدغ من جحر الدساتير مرتين، فالتاريخ السوداني يضج بصور القمع التي تمت تحت ستار “قانون الطوارئ” أو “حماية النظام” بينما كانت الدساتير في الأدراج تفيض بعبارات الحرية والعدالة، ولذا فإنَّ المأزق التاريخي لم يكن يومًا من الأيام عجزًا في العقل السوداني عن صياغة “العقد الاجتماعي” بل في كان غياب “الإرادة السياسية” التي حولت هذا العقد إلى مقدس قانوني، وهذا هو التحدي الذي نضعه اليوم في ملعب تحالف تأسيس، ليكون مغايرًا للمسرح السياسي القديم بآلياته وأدواته.
إذ ان “وثيقة الحقوق” في الدستور التأسيسي الجديد تمثل ذروة السنام في الفكر القانوني السوداني، فهي لم تكتفِ بالحقوق الجيلية التقليدية، بل غاصت في تفاصيل حقوق المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، وحماية التنوع الثقافي، معتبرة أن كرامة الإنسان هي المبتدأ والخبر، ومع ذلك، يظل التساؤل الجوهري قائمًا، هل ستصمد هذه النصوص أمام “شهوة السلطة” وهياج الأزمات وصعوبة التحديات، وبذلك فإنَّنا نكون أمام مفارق طرق تاريخية، فإما أن يكون هذا الدستور “منارة للحاضر” تقودنا نحو دولة المؤسسات، أو يرتد ليصبح مجرد “مرثية” أخرى تنضاف إلى ديوان الخيبات السودانية، بإعتبار إن إحالة الحقوق إلى “التطبيق” تتطلب شجاعة قانونية في تفكيك القوانين الموروثة التي تعارض روح الدستور، وتتطلب عينًا ساهرة من القضاء الدستوري لا تجامل سلطة ولا ترهبها سطوة، فالعدل كما قيل “أساس الملك” والظلم هو المؤذن بخراب العمران.
فيا تروس التأسيس، إنَّ الجماهير التي احتشدت خلف وعود التغيير لا تقرأ الدساتير بعيون المحامين، بل تشعر بها في أمنها الشخصي، وفي لقمة عيشها، وفي حريتها في التعبير دون خوف من زوار الفجر وعسس الأجهزة الأمنية، لأن تطبيق وثيقة الحقوق هي الاختبار الحقيقي لمصداقية “التحالف” وهو الكفيل بإنهاء “دورة الفشل” التي لازمت السودان منذ رحيل المستعمر، فلا يمكن بناء “سودان جديد” بعقلية “التمكين” أو “الإقصاء” فالدستور العظيم هو الذي يحمي خصوم السلطة قبل حلفائها، وهو الذي يجعل من “سيادة حكم القانون” حقيقة ملموسة لا شعارًا في المهرجانات السياسية.
فإنَّنا نضع الكرة في ملعبكم، ليس من باب الترف الفكري، بل من باب المسؤولية الوطنية الجسيمة والتذكير، فالسودان لم يعد يحتمل أنصاف الحلول أو أنصاف الدساتير، والمرحلة تتطلب “تأسيساً” فعليًا لأخلاق الفعل السياسي قبل النصوص القانونية، وكما إنَّ الرسالة المسؤولة التي نبرق بها في بريد الحاضر والمستقبل هي أن الدستور التأسيسي، رغم عظمته، سيبقى جسدًا بلا روح ما لم تنفخ فيه “الممارسة الديمقراطية” روح الحياة، وكما أن التوصية الأساسية هي ضرورة “دسترة” الوعي الجمعي، بحيث يصبح المواطن هو الحارس الأول لحقوقه، وضرورة إخضاع كل مؤسسات الدولة، مدنية وعسكرية، لسلطان هذه الوثيقة دون استثناء، لأننا نحتاج إلى ثورة في “التطبيق” توازي الثورة في “النصوص” ومعالجة الأزمات لا تبدأ بطلب القروض بل بضمان الحقوق، فالإنسان الذي يشعر بكرامته في وطنه هو القادر على إعمار الأرض وبناء النهضة، وليجعل تحالف تأسيس من هذا الدستور “ميثاق غليظ” لا يقبل التأويل أو الالتفاف، وليكن التاريخ شاهدًا على أننا في هذه المرة، آثرنا “الحق” على “القوة” و”القانون” على “الرغبة” من أجل أن نعبر بالسودان من نفق الأزمات إلى رحاب الدولة المدنية الديمقراطية الفدرالية الدستورية التي تسع الجميع بلا تمييز.
